أخرج الطبري في "جامع البيان" (7/ 577)جامع البيانالطبري٧/٥٧٧صحيح بسند صحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في قوله: {فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} قال: «في توابيت من حديد مبهمة مقفلة عليهم في أسفل النار».
وروى ابن أبي حاتم (4/ 1150)مصدر غير محدد٤/١١٥٠ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «الدرك الأسفل: بيوت لها أبواب تطبق عليهم فتوقد من تحتهم ومن فوقهم».
وعن ابن عباس والضحاك وقتادة: «النار دركات كما أن الجنة درجات، والدرك الأسفل قعر جهنم وهو أشدها عذاباً وحراً».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{الدَّرْكِ}: بفتح الراء وسكونها، قراءتان سبعيتان متواترتان؛ قرأ عاصم وحمزة والكسائي: {الدَّرْكِ} بسكون الراء، وقرأ الباقون: {الدَّرَكِ} بفتح الراء، وهما لغتان كالشَّمْع والشَّمَع. والدرك في أصل اللغة: الطبقة الهابطة إلى أسفل، فالدرجات للعلو في النعيم، والدركات للسفول في العذاب والدرك والوهاد.
{نَصِيرًا}: فعيل للمبالغة في النصرة، أي لا ناصر ينصرهم فيدفع عنهم بأس الله.
الإعراب والتركيب:
{إِنَّ الْمُنَافِقِينَ}: حرف ناسخ، والمنافقين اسمها منصوب بالياء.
{فِي الدَّرْكِ}: شبه جملة جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر إن.
{الْأَسْفَلِ}: نعت للدرك مجرور بالكسرة.
{وَلَن تَجِدَ}: الواو عاطفة أو استئنافية، لن: حرف نفي ونصب واستقبال، تجد: مضارع منصوب بالفتحة، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت.
{لَهُمْ}: متعلق بحال محذوفة من نصيرا.
{نَصِيرًا}: مفعول به لتجد منصوب بالفتحة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
حكمة جعل المنافقين في قعر جهنم دون الكافرين المجاهرين:
بيّن ابن القيم في "مدارج السالكين" (1/ 356)مدارج السالكينابن القيم١/٣٥٦ وفخر الدين الرازي (11/ 89)مصدر غير محدد١١/٨٩: أن الكافر المجاهر أساء من وجه واحد وهو جحود الحق، أما المنافق فقد أساء من وجوه متعددة: كفر باطناً، وخادع الله ورسوله والمؤمنين ظاهراً، واستهزأ بالدين، ومكر بأهل الإسلام وطعنهم من الخلف، واستعمل نعم الله في التلبيس على عباده؛ فغلظ جرمه وتضاعف قبحه فاستحق أغلظ العقوبات في أسفل قعر الجحيم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف يكون المنافق الذي يشهد أن لا إله إلا الله أشد عذاباً من فرعون وأبي جهل؟:
يدفع الإشكال: إن الجزاء من جنس العمل وميزان العدل الإلهي يعاقب على قدر المفسدة؛ فمفسدة النفاق على الدين والأمة أشنع وأخطر بمراتب من مفسدة الكفر الصريح، لأن الكافر معلوم الحذر منه، بينما المنافق يندس في الصفوف، ويفشي الأسرار، ويزرع الشكوك والخذلان بين المؤمنين، مع علمه بالحق وسماعه للقرآن ورؤيته للرسول صلوات الله وسلامه عليه ومعجزاته؛ فكان كفره كفر عناد واستخفاف واستكبار باطن، فناسب أن يكون في أشد منازل النار ضيقاً وظلمة وحراً.
المقابلة بين طباق العلو والسفول: مقابلة دقيقة بين استعلاء المنافقين في الدنيا بمكرهم ودعواهم أنهم مع الفائزين أينما دارت الدائرة، وبين مآلهم الأخروي المخزي في الحضيض الأوطأ من قعر الجحيم؛ ونفي النصير بلن المؤبدة {وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} للدلالة على الإياس المطلق من أي شفاعة أو فداء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الرعب العظيم من خصال النفاق ومداواة الباطن وتطهير السريرة ومراقبة القلوب.
تحذير أهل الإيمان من الاغترار بالمظاهر الجوفاء وضرورة التمايز الإيماني واليقظة تجاه الدسائس الفكرية.