قرأ نافع وابن عامر: ﴿قِيَمًا﴾ بكسر القاف وفتح الياء من غير ألف مصدراً مثل صِيَم؛ وقرأ الباقون (ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وأبو جعفر، ويعقوب، وخلف العاشر): ﴿قِيَامًا﴾ بألف بعد الياء مصدراً لـ (قام يقوم قياماً)؛ وهما لغتان بمعنى واحد؛ أي قواماً لمعايشكم وصلاح أموركم وحياتكم (النشر في القراءات العشر، ج٢، ص٢٦٠؛ التيسير، ص٩٥).
أسباب النزول وسياق الأثر:
تنظيم الإدارة المالية الرشيدة للمجتمع والأسرة، وحماية الثروة العامة والخاصة من التبديد والسفه؛ نزلت في الحجر على غير المؤهلين لإدارة الأموال من الصغار واليتامى والمجانين والذين لا يحسنون التصرف.
أخرج ابن جرير الطبري (ج٦، ص٣٨٢)مصدر غير محدد٦/٣٨٢ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ قال: السفهاء: بنوك ونساؤك الصغار الذين لا يحسنون تدبير المال؛ يقول: لا تعمد إلى مالك الذي خولك الله وجعله لك قواماً في معيشتك فتعطيه امرأتك أو بنيك الصغار ثم تجلس تنظر في أيديهم، ولكن أمسك مالك وأصلحه، وارزقهم منه واكسهم".
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: "هم اليتامى الصغار لا تؤتوهم أموالهم حتى يعلم منهم الرشد".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
السفهاء
جمع سفيه؛ وهو ضعيف العقل الذي يبدد ماله فيما لا ينبغي ولا يحسن التدبير، سواء كان صغيراً أو مجنوناً أو كبيراً مبذراً.
أموالكم
أضاف الأموال إلى المخاطبين (الأولياء والمجتمع) مع أنها في الأصل أموال السفهاء واليتامى؛ لتنبيه الأولياء إلى أن مال اليتيم يجب حفظه وصيانته كأنه مالك الخاص، ولأن مجموع أموال الأمة قوام لحياة المجتمع كله.
قياماً
قواماً لمعايشكم وثباتاً لأموركم؛ فالمال عصب الحياة الذي تقوم به المصالح الدينية والدنيوية.
وارزقوهم فيها واكسوهم
أنفقوا عليهم من أرباحها ونمائها لا من أصل رأس المال؛ لئلا تأكلها النفقة والصدقة.
قولاً معروفاً
كلاماً طيباً رقيقاً جميلاً؛ كأن يعده بتسليم ماله إذا رشد ويدعو له بالبركة والرشد.
وَلَا تُؤْتُوا
لا ناهية جازمة، تؤتوا مضارع مجزوم بحذف النون والواو فاعل.
السُّفَهَاءَ
مفعول به أول منصوب بالفتحة.
أَمْوَالَكُمُ
مفعول به ثانٍ منصوب والكاف مضاف إليه.
الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا
التي نعت لأموالكم، جعل ماض، لفظ الجلالة فاعل، لكم متعلق بمحذوف حال أو بجعل، قياماً مفعول ثانٍ لـ جعل (أو حال)، والجملة صلة الموصول.
وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ
أفعال أمر معطوفة والواو فاعل والهاء مفعول به، وفيها متعلق بارزقوهم.
وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا
قولاً مفعول مطلق، معروفاً نعت لقولاً.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تشريع استراتيجي عبقري لحفظ "أصل المال في الاقتصاد الإسلامي"؛ فبعد أن أمر في الآية الثانية بإيتاء اليتامى أموالهم، خشي أن يفهم الأولياء الدفع المطلق للأموال في أي وقت ولو كان الصغير لا يحسن التصرف فتضيع الثروة؛ فجاءت هذه الآية لتحكم الضابط: لا تسلموا الأموال للسفهاء والصغار حتى يرشدوا، مع تقرير أن وظيفة الولي ليست حبس المال تقتيراً، بل استثماره وتنميته والإنفاق على القاصر من أرباحه وكسوته وملاطفته بالقول الجميل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
دقة التعبير القرآني بحرف الجر (فيها) دون (منها):
قال سبحانه: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾ ولم يقل (وارزقوهم منها)؛ وسر ذلك الإعجازي:
لو قال: (منها) لكان الإنفاق مأخوذاً من أصل رأس المال وعينه، فتأكله النفقة يوماً بعد يوم حتى يفنى ويصبح اليتيم فقيراً عالة!
أما قوله: ﴿فِيهَا﴾ فهو توجيه رباني صريح للأولياء باستثمار أموال اليتامى وتشغيلها في التجارة وجعلها وعاءً تُجنى منه الأرباح، وتكون النفقة من ريع التجارة ونمائها، ليبقى رأس المال محفوظاً تاماً لليتيم؛ كما في الأثر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "ابتغوا في أموال اليتامى لا تأكلها الصدقة" (أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الزكاة، رقم: ٥٨٤)مصدر غير محددحديث رقم ٥٨٤ (تفسير الرازي، ج٩، ص١٨٨؛ أحكام القرآن لابن العربي، ج١، ص٣٥٠).
البعد البياني والبلاغي والإشاري والتدبري
إضافة المال إلى المخاطبين ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾: مجاز يعبر عن التكافل الاجتماعي؛ فمال الفرد في المنظور الكلي هو مال الأمة؛ فإذا ضاع أو بُدد تضرر المجتمع كله؛ وفيه تحريض للولي على حياطته كماله الشخصي.
وصف المال بـ ﴿قِيَامًا﴾: استعارة دقيقة تبرز المكانة الوظيفية للمال؛ فهو عمود الخيمة الذي تقوم به معايش الناس وعباداتهم وأسفارهم وجهادهم.
الأمر بالقول المعروف: تطييب لخواطر القاصرين لئلا يشعروا بالإذلال أو القهر عند منع المال عنهم، بل يُعلمون أن المنع لمصلحتهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تأصيل فقه "الحجر على السفيه والمبذر" لحماية الثروات من الضياع.
وجوب استثمار أموال القاصرين وتشغيلها في المشاريع الحلال المنتجة لتنميتها وحفظ أصلها.