المقصد الأسنى من إرسال الرسل: قال مجاهد وقتادة وابن عباس: ما أرسل الله نبياً من أنبيائه إلا ليُطاع حكمه وينفذ أمره في كل صغيرة وكبيرة بتوفيق الله وإذنه وقدره؛ فمن خالف الرسول أو تحاكم إلى غيره فقد ناقض حكمة الرسالة الإلهية.
تفسير المجيء والاستغفار في حياة النبي صلى الله عليه وسلم: أجمع السلف وأهل العلم أن هذا المجيء المذكور في الآية هو في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، كما صرح السياق؛ حيث كان المنافقون إذا عصوا وتخلفوا أو تحاكموا إلى الطاغوت، كان طريق توبتهم المعتبر أن يأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته معترفين بذنبهم، نادمين مستغفرين الله بين يديه، فيستغفر لهم الرسول تأكيداً لعفوه عن حقوقه وقبولاً لتوبتهم؛ فتتحقق لهم التوبة والرحمة.
حكاية العتبي الشهيرة التي يوردها بعض المفسرين حول مجيء أعرابي إلى القبر الشريف بعد وفاته صلى الله عليه وسلم؛ بين أئمة التحقيق كابن تيمية وابن كثير أنها أثر لا يصح إسناده ولا يقام به حكم شرعي في التوسل بذات الميت أو طلب الاستغفار من الأموات، وأن الصحابة والتابعين لم يكونوا يأتون قبر النبي صلى الله عليه وسلم لطلب استغفاره، بل يدعون الله وحده كما فعل عمر في الاستسقاء بالعباس الحي الحاضر لا بالنبي الميت.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
مِن رَّسُولٍ
من حرف جر زائد لاستغراق الجنس وتأكيد العموم.
بِإِذْنِ اللَّهِ
الإذن هنا الكوني والشرعي؛ أي بتوفيقه وتيسيره وأمره وقضائه.
ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ
بارتكاب النفاق والتحاكم إلى الطاغوت ومعصية الرسول.
وَمَا
نافية، أرسلنا فعل وفاعل.
مِن رَّسُولٍ
مجرور لفظاً بمن الزائدة في محل نصب مفعول به لأرسلنا.
إِلَّا لِيُطَاعَ
إلا أداة حصر، واللام لام كي، يطاع مضارع مبني للمجهول منصوب بأن مضمرة بعد اللام.
وَلَوْ أَنَّهُمْ
لو شرطية، والمصدر المؤول من أن واسمها وخبرها في محل رفع فاعل لفعل محذوف تقديره "ولو ثبت مجيئهم".
إِذ
ظرف زمان للماضي متعلق بـ "جاؤوك".
لَوَجَدُوا
اللام واقعة في جواب لو، وجدوا فعل وفاعل والجواب لا محل له، والله مفعول أول، و{تَوَّابًا}: مفعول ثان، و{رَّحِيمًا}: نعت أو مفعول ثالث.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تقرير الحقيقة الكلية الكبرى لبعثة الرسل؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم ليس واعظاً عابراً تترك أقواله وأحكامه للخيارات الشخصية، بل هو قائد مطاع وحاكم متبع بإذن الله؛ ثم فتح باب التوبة والرجوع لكل من أخطأ وتعدى ليجد ربه تواباً رحيماً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حفظ جناب التوحيد وضبط مسائل التوسل والاستغفار: تبين الآية المحكمة مقام النبي صلى الله عليه وسلم العظيم وشفاعته لأمته؛ فاستغفار الرسول في حياته صلى الله عليه وسلم كان سبباً لمغفرة الله؛ أما بعد وفاته وانتقاله إلى الرفيق الأعلى، فإن الأمة تستغفر الله مباشرة متبعة سنة نبيه، ولا يطلب الاستغفار من ميت في قبره صيانة لجناب التوحيد وسداً لذرائع الشرك، والتزاماً بما كان عليه الصحابة الكرام.
الالتفات المهيب من الخطاب إلى الغيبة: قوله: {جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ}، لم يقل: "واستغفرت لهم" بل عبر بالاسم الظاهر المشعر بالصفة {الرَّسُولُ}؛ تعظيماً لمقامه الشريف وتذكيراً لهم بأن شفاعته إنما تستجلب بصفة رسالته ومكانته عند ربه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
لزوم طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل أمر ونهي، واليقين بأن محبته تقتضي اتباعه.
المبادرة إلى التوبة والاستغفار وطلب رحمة الله الواسعة التي وسعت كل شيء.