وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
سبب نزول تحريم قربان الصلاة في حال السكر: أخرج أبو داود (رقم ٣٦٧١)مصدر غير محددحديث رقم ٣٦٧١، والترمذي (رقم ٣٠٢٦)مصدر غير محددحديث رقم ٣٠٢٦ وصححه، والنسائي، والحاكم وصححه على شرط الشيخين، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: «صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاماً فدعانا وسقانا من الخمر، فأخذت الخمر منا، وحضرت الصلاة فقدموا فلاناً فقرأ: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون: ١]، فقرأ: لا أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون! فأنزل الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ}». وكانت هذه المرحلة الثانية في تحريم الخمر قبل نزول التحريم القاطع البات في سورة المائدة.
سبب نزول آية التيمم ومسألة عقد عائشة: أخرج البخاري في صحيحه (كتاب التيمم، باب التيمم، رقم ٣٣٤)مصدر غير محددحديث رقم ٣٣٤ ومسلم في صحيحه (كتاب الحيض، باب التيمم، رقم ٣٦٨)مصدر غير محددحديث رقم ٣٦٨ عن عائشة رضي الله عنها أنها استعارت من أسماء قلادة فنزلت فضلّت (ضاعت)، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم ناساً في طلبها، فحضرت الصلاة وليس معهم ماء فصلوا بغير وضوء، فأنزل الله آية التيمم، فقال أسيد بن حضير رضي الله عنه لعائشة: «جزاك الله خيراً، فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله لك وللمسلمين فيه فرجاً وبركة، ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر».
القراءات القرآنية المتواترة:
قرأ حمزة والكسائي وخلف: {أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ} بغير ألف مخففاً.
وقرأ الباقون: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} بألف على وزن فاعلتم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
سُكَارَىٰ
جمع سكران، والسكر زوال العقل وتمييزه بسبب شرب المسكر.
جُنُبًا
الجنب من أصابته الجنابة بإنزال أو جماع، وسمي جنباً لتجنبه الصلاة ومواضع العبادة حتى يغتسل، وهو لفظ يستوي فيه المفرد والجمع والمذكر والمؤنث.
عَابِرِي سَبِيلٍ
المجتازين في المسجد مروراً من غير مكث، وقيل المسافرين الذين عدموا الماء.
الْغَائِطِ
المكان المطمئن المنخفض من الأرض، وكانوا يقصدونه لقضاء الحاجة ستراً، ثم صار كناية عرفية عن الحدث الأصغر الخارج من السبيلين.
صَعِيدًا طَيِّبًا
الصعيد كل ما صعد على وجه الأرض وبرز من جنسها كالتراب والحصى والرمل؛ والطيب الطاهر النظيف غير النجس.
لَا تَقْرَبُوا
لا ناهية جازمة، تقربوا مضارع مجزوم بحذف النون، والصلاة مفعول به.
وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ
الواو حالية، أنتم مبتدأ، وسكارى خبر مرفوع بضمة مقدرة، والجملة في محل نصب حال.
وَلَا جُنُبًا
معطوف على الحال في محل نصب، أي لا تقربوا الصلاة سكارى ولا تقربوها مجنبين.
فَتَيَمَّمُوا
الفاء رابطة لجواب الشرط، وتيمموا فعل أمر معناه اقصدوا، وصعيداً مفعول به.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تدرج القرآن العظيم من طهارة الباطن ونبذ الكبر والرياء في الآيات السابقة، إلى طهارة العقل من السكر، ثم طهارة الظاهر والجسد من الحدثين الأكبر والأصغر، ليدخل المسلم إلى حضرة مناجاة الله في الصلاة بكامل الوعي والطهارة البدنية والروحية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق مسألة ملامسة النساء ونقض الوضوء: اختلف أئمة الفقه العظام في تفسير {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ}:
مذهب الحبر ابن عباس وعلي وأبي موسى وابن تيمية والحنفية: أن الملامسة واللمس كناية قرآنية عفيفة عن الجماع كالإفضاء والمسيس؛ فلا ينقض مجرد اللمس أو المصافحة الوضوء بحال.
مذهب الشافعي: أن اللامس والملامس ينقض وضوؤهما بمجرد التقاء البشرتين بين الرجل والمرأة الأجنبية بغير حائل مطلقاً بشهوة أو غير شهوة؛ عملاً بظاهر اللفظ اللغوي.
مذهب مالك وأحمد (في المشهور): ينقض اللمس إن كان بشهوة والتذاذ، ولا ينقض إن كان لغير شهوة؛ جمعاً بين النصوص والأدلة؛ وهذا الخلاف الفقهي المنضبط ثروة تشريعية تبرهن على سعة الاستنباط ومرونة الأحكام.
مرونة البدائل الطهارية وتيسير التيمم: شرعية التيمم عند فقد الماء أو تضرر البدن باستعماله تبرز مقاصد الشريعة في الحفاظ على أداء الصلوات في أوقاتها مع صيانة النفوس والأبدان من الهلاك؛ فالإسلام لا يعرف التعطيل ولا الحرج المشق.
الأدب والسمو اللفظي القرآني: استعمل القرآن أرقى الكنايات البلاغية؛ فكنى عن قضاء الحاجة بالمكان {الْغَائِطِ}، وكنى عن المعاشرة الزوجية بـ {لَامَسْتُمُ}، وفي هذا تربية ربانية للمجتمع على عفة اللسان واختيار الألفاظ المهذبة.
التذييل بالعفو والمغفرة: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا}؛ إشارة إلى سعة عفوه تعالى حين رخص بالتيمم ورفع الحرج وتجاوز عن التقصير في حالات الاضطرار.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تعظيم قدر الصلاة واستحضار هيبتها، ووجوب دخولها بكامل الحضور العقلي والخشوع القلبي.
تعلم أحكام الطهارة المائية والترابية (التيمم) وتطبيقها العملي عند السفر والمرض بيقين وامتنان لتيسير الله.