تمني الكفار التسوية بالتراب: أخرج الطبري في تفسيره (ج ٨، ص ٣٥٠)مصدر غير محدد٨/٣٥٠ عن قتادة وابن عباس في قوله: {يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ الْأَرْضُ} قالا: يودون أن تنشق الأرض فتبتلعهم فيصيروا تراباً كهيئتها، كقوله تعالى: {وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا}.
معنى {وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا} ودفع التعارض مع آية الأنعام: أخرج البخاري في صحيحه (كتاب التفسير، تفسير سورة النساء، تعليقاً)، وأخرج الطبري والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلاً أتاه فقال: يا أبا عباس، إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي، قال: وما هو؟ قال: أسمع الله يقول: {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}، ويقول: {وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا}، وقد كتموا في الآية الأولى! فقال ابن عباس: «إن الله يجمع الناس يوم القيامة في صعيد واحد، فيقول المشركون: إن الله لا يعذب إلا من أشرك، فيجحدون ويقولون: والله ربنا ما كنا مشركين! فيختم الله على أفواههم، وتنطق أيديهم وأرجلهم وجلودهم بما كانوا يعملون، فعند ذلك {يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا}».
القراءات القرآنية المتواترة:
قرأ الحرميان (نافع وابن كثير) وأبو عمرو: {تَسَوَّىٰ} بفتح التاء والسين وتشديدها (أصلها تتسوّى فأدغمت التاء في السين).
وقرأ عاصم وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب: {تُسَوَّىٰ} بضم التاء وفتح السين وتشديد الواو مبنياً للمجهول.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
يَوَدُّ
المودة شدة المحبة والتمني للشيء المرغوب فيه بشغف.
تُسَوَّىٰ
التسوية جعل الشيء مساوياً للأرض في استوائها وعدم بروزه عنها.
حَدِيثًا
الكلام والخبر وما حدث من أفعالهم وأقوالهم.
يَوْمَئِذٍ
ظرف زمان مركب، يوم متعلق بيود، وإذ اسم مضاف إليه والتنوين تنوين عوض عن جملة محذوفة.
يَوَدُّ الَّذِينَ
فعل مضارع مرفوع، والذين فاعل.
لَوْ تُسَوَّىٰ
لو مصدرية، والمصدر المؤول في محل نصب مفعول به ليود.
بِهِمُ الْأَرْضُ
بهم متعلق بتسوى، والأرض نائب فاعل أو فاعل بحسب القراءة.
وَلَا يَكْتُمُونَ
الواو حالية أو استئنافية، لا نافية، يكتمون مضارع والواو فاعل، والجملة في محل نصب حال أو معطوفة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا المشهد هو الجواب الواقعي والبيان الحسي لسؤال التهويل السابق: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ}؛ فهذا هو حالهم: هلع يمزق أفئدتهم، ورغبة مستحيلة في التلاشي والفناء والتسوية بالتراب، وانكشاف كامل لأسرارهم وجرائمهم بين يدي الديان.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
انسجام مواقف القيامة وتنوع أحوالها: دفع شبهة التعارض بين الآيات القرآنية في نفي الكلام وإثباته، أو الكتمان وعدمه؛ بأن القيامة مواقف متطاولة ومحطات متعددة (مقدارها خمسون ألف سنة)؛ ففي موطن يخرسون دهشة وهيبة، وفي موطن يحاول المشركون الإنكار ظناً أن المعاذير تنفع، فإذا ختم على أفواههم وشهدت الجوارح استسلموا واعترفوا ولم يكتموا الله حديثاً، فكل آية تصف مشهداً ومرحلة معينة من ذلك اليوم العصيب.
تصوير الفزع النفسي الكارثي: تعبير {لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ الْأَرْضُ} يجسد قمة الإفلاس واليأس الإنساني؛ حيث يصبح الموت والعدم أسمى أماني المجرم للفرار من مواجهة قبائح أفعاله وشهادة الرسل عليه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تعظيم لزوم طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتجنب معصيته؛ فإن عصيانه سبب الندامة الكبرى يوم القيامة.
الاستقامة في السر والعلن؛ فكل ما يخفيه المرء سيبدو وينكشف ولن يكتم الله حديثاً.