أخرج الطبري (7/ 588)مصدر غير محدد٧/٥٨٨ وابن أبي حاتم (4/ 1152)مصدر غير محدد٤/١١٥٢صحيح بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ}: «لا يحب الله أن يدعو أحد على أحد، إلا أن يكون مظلوماً، فإنه قد رُخص له أن يدعو على من ظلمه، وإن صبر فهو خير له».
وروى أبو داود (رقم 5153)مصدر غير محددحديث رقم ٥١٥٣ والترمذي (رقم 1999)مصدر غير محددحديث رقم ١٩٩٩ وصححه، من حديث عائشة رضي الله عنها: «سُرق منها شيء فجعلت تدعو على سارقها، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تُسبخي عنه بدعائك»، أي لا تخففي عنه من إثمه وعقابه بسبّك ودعائك.
وعن مجاهد والسدي وابن زيد: نزلت في الرجل ينزل بالقوم ضيفاً فلا يقرونه ولا يطعمونه، فرخص له أن يذكرهم بما صنعوا به من اللؤم والتقصير.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{الْجَهْرَ}: إظهار الصوت وإعلانه ورفع النبرة به، وضده السر والخفوت.
{بِالسُّوءِ}: كل ما يسوء الإنسان ويحزنه من شتم، أو ذم، أو دعاء بهلاك، أو تظلم وتشهير.
الإعراب والتركيب:
{لَّا يُحِبُّ اللَّهُ}: لا نافية، يحب فعل مضارع، والله فاعل.
{الْجَهْرَ}: مفعول به منصوب.
{بِالسُّوءِ}: جار ومجرور متعلق بالجهر.
{مِنَ الْقَوْلِ}: بيان للسوء أو حال منه.
{إِلَّا مَن ظُلِمَ}: في إعراب {مَن} وجهان مشهوران:
استثناء متصل: أي إلا الجهر من شخص ظُلم، فـ {مَن} في محل نصب على الاستثناء، وقرئ شاذاً {إلّا مَن ظَلَمَ} بالفتح.
استثناء منقطع: أي لكن من ظُلم فله أن يجهر بالشكوى والتظلم والدعاء، ومحل {مَن} النصب. وقيل في محل رفع بالابتداء والخبر محذوف.
{وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا}: سميعاً لما يُجهر به، عليماً بحقيقة المظلوم والظالم وصدق الشكوى.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تناسب الآية وموقعها التشريعي:
لما نهى الله تعالى عن موالاة الكافرين وذكر فضائح المنافقين وما يُسرّونه؛ كان ذلك جهراً بمساوئهم وفضحاً لأسرارهم؛ فبينت هذه الآية القانون العام والضابط الأخلاقي للمجتمع: أن الأصل حفظ الألسن وحظر التشهير والجهر بالسوء، واستثني من ذلك فضح المعتدين والمظالم لردع الظالم ونصرة المظلوم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: هل يباح للمظلوم أن يقابل الإساءة بمثلها في العدوان والكذب؟:
يدفع الإشكال: أجمع العلماء -كما قرر شيخ الإسلام ابن تيمية في "قاعدة في الصبر والمصاحبة" وابن حجر- على أن رخصة المظلوم في الجهر مقيدة بالحق والعدل وبقدر المظلمة؛ فيجوز له أن يشكوه إلى القاضي، وأن يدعو عليه بقدر ظلمه، وأن يقول: ظلمني فلان أو أخذ مالي؛ ولا يجوز له بحال أن يكذب عليه، ولا أن يرميه بما ليس فيه من الفجور والزنا، ولا أن يتعدى على أهله؛ فالعدوان ممنوع مطلقاً {فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ}.
نفي المحبة {لَّا يُحِبُّ اللَّهُ} كناية عن البغض والتحريم: أسلوب قرآني جليل في التنفير، فنفي المحبة من أبلغ وجوه الذم؛ والاستثناء في {إِلَّا مَن ظُلِمَ} صمام أمان يحمي المجتمع من الاستبداد ويكسر طغيان البغاة بإسماع صوت المستضعفين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
صيانة الأعراض وتطهير المجالس من الغيبة والنميمة وتداول معايب الناس وسقطاتهم.
كفالة حق التقاضي والتظلم للمستضعف دون لوم، والجمع بين الحزم في دفع الظلم وبين الرقي في عدم مجاوزة الحق.