أخرج الطبري (ج ٩، ص ٣٤٦-٣٥٥)مصدر غير محدد٩/٣٤٦ عن ابن عباس قال: لما أبى بنو إسرائيل قبول أحكام التوراة وما فيها من الآصار والأغلال والفرائض الثقيلة، قلع الله جبل الطور من أصله ورفعه فوق رؤوسهم كأنه ظلة، وقيل لهم: إما أن تقبلوا ما في هذا الكتاب وتعملوا به، وإما أن يقع عليكم فيرديكم، فقبلوا ساجدين وهم يلاحظون الجبل بمؤخرة أعينهم خوفاً من سقوطه.
وفي قوله {ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا}: روى البخاري (رقم ٤٦٤١)مصدر غير محددحديث رقم ٤٦٤١ ومسلم (رقم ٣٠١٥)مصدر غير محددحديث رقم ٣٠١٥ عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قيل لبني إسرائيل: ادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة يُغفر لكم خطاياكم، فبدلوا فدخلوا يزحفون على أستاههم، وقالوا: حبة في شعرة».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
الطُّورَ
الجبل العظيم المنبت للأشجار، والمراد به جبل سيناء.
بِمِيثَاقِهِمْ
الباء للسببية؛ أي بسبب نقضهم الميثاق أو لأجل توثيق أخذ الميثاق عليهم.
لَا تَعْدُوا
من العدوان، وهو مجاوزة الحد والاعتداء بصيد الحيتان يوم السبت بعد تحريمه. قرأ ورش وقالون وابن كثير وأبو عمرو وعاصم: {لَا تَعْدُوا} بسكون العين وضم الدال؛ وقرأ نافع في رواية وقالون باختلاس فتح العين وتشديد الدال.
مِّيثَاقًا غَلِيظًا
عهداً مؤكداً شديد القوة باليمين والوعيد والإشهاد المعظم.
وَرَفَعْنَا
الواو عاطفة، فعل ماض مبني على السكون، ونا فاعل.
فَوْقَهُمُ
ظرف مكان متعلق برفعنا، والهاء مضاف إليه.
الطُّورَ
مفعول به منصوب.
بِمِيثَاقِهِمْ
متعلق بمحذوف حال أو برفعنا.
سُجَّدًا
حال منصوبة من واو الجماعة في ادخلوا.
مِّيثَاقًا
مفعول به ثانٍ لأخذنا، و{غَلِيظًا}: نعت منصوب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
سياق توالي النكث والتمرد على الأوامر الثلاثة:
جمعت الآية الكريمة بين ثلاثة أصول شرعية امتحن الله بها بني إسرائيل فخانوا فيها جميعاً:
أصل الإيمان وقبول الشريعة: فلم يقبلوه إلا تحت تهديد الجبل المرفوع.
أدب العبادة والتواضع لله عند النصر: فأمروا بدخول بيت المقدس سجداً خاضعين فدخلوه يزحفون مستهزئين.
شبهة: كيف يتفق رفع الجبل مع قوله تعالى {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}؟:
يدفع الإشكال: حقق الإمام القرطبي وابن تيمية في "منهاج السنة" أن رفع الطور لم يكن لإكراه ابتداء على الدخول في الدين؛ فإن بني إسرائيل كانوا مقرين بالله ومؤمنين بموسى وداخلين في عقد الإيمان؛ وإنما كان رفع الجبل لإلزامهم بالوفاء بما التزموا به من أحكام التوراة وعقودها بعد أن تمردوا على الفرائض؛ فالإلزام بالوفاء بالعقود التي التزم بها العبد طواعية واجب شرعي وعقلي، وليس من باب الإكراه على أصل الدخول في الملة.
وصف الميثاق بـ {غَلِيظًا}: استعارة حسية محسوسة؛ شبّه العهد المعنوي المحكم بالثوب أو الحبل الغليظ المنسوج بإحكام فائق لا تمزقه العواصف؛ للدلالة على ثقل الأمانة وفظاعة خرق هذا الرباط المشدود باسم الله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تعظيم العهود والمواثيق المأخوذة على العباد مع ربهم ومع الخلق، واستشعار خطورة التلاعب بالحيل الفقهية المفسدة للحقائق.
الخضوع التام لأمر الله عند إدراك النعم والانتصارات، ونبذ التكبر والتمرد في مواطن الإحسان.