سبب النزول والنهي عن الغلو في المسيح: أخرج الطبري في "جامع البيان" (ج ٩، ص ٤٨٢-٤٩٦)جامع البيانالطبري٩/٤٨٢ وابن أبي حاتم وابن كثير (ج ٢، ص ٤٥٢-٤٥٦)مصدر غير محدد٢/٤٥٢ عن قتادة ومجاهد والسدي: نزل النهي صريحاً لطوائف النصارى -كاليعقوبية والملكانية والنسطورية- الذين غلوا في عيسى بن مريم حتى رفعوه فوق منزلته البشرية فجعلوه إلهاً أو ابن إله أو ثالث ثلاثة؛ كما نزل تعريضاً باليهود الذين قصروا في حقه فرموه وأمه بالبهتان العظيم.
تفسير {وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ} في السنة والآثار:
روى البخاري في "صحيحه" (رقم ٣٤٣٥)مصدر غير محددحديث رقم ٣٤٣٥ ومسلم (رقم ٢٨)مصدر غير محددحديث رقم ٢٨ من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل».
وروى الطبري وأحمد عن أُبي بن كعب وابن عباس قالا: «ليس عيسى هو الكلمة، ولكن بالكلمة كان، وهي قوله تعالى: {كُن} فكان بشراً بإذن الله من غير أب، وروح منه: أي روح من الأرواح التي خلقها الله واستودعها جبريل عليه السلام فنفخها في مريم؛ فإضافتها إلى الله إضافة تشريف وخلق، كقوله تعالى {نَاقَةُ اللَّهِ} و{بَيْتِي}».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
تَغْلُوا
الغلو في لسان العرب: مجاوزة الحد والإفراط في الشيء، وأصله من غليان القدر إذا ارتفع ماؤها وفار؛ والغلو في الدين هو الإفراط في التعظيم حتى يخرج المخلوق عن طور العبودية إلى خصائص الربوبية.
أَلْقَاهَا
أوصلها إليها وأبلغها بإنفاذ أمره التكويني بنفخة جبريل في جيب درعها.
وَرُوحٌ مِّنْهُ
الروح جسم لطيف تحيا به الأبدان، و{مِّنْهُ}: "مِنْ" هنا لابتداء الغاية وخلق الصنعة، وليست للتبعيض كقوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ}.
ثَلَاثَةٌ
أي الآلهة ثلاثة (الآب والابن والروح القدس)، أو الله ثالث ثلاثة.
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ
منادى مضاف منصوب.
لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ
لا ناهية جازمة، تغلو مضارع مجزوم بحذف النون، والواو فاعل.
وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ
إلا أداة حصر، والحق مفعول به لتقولوا منصوب بالفتحة.
خبر المبتدأ مرفوع، وهو مضاف واسم الجلالة مضاف إليه.
وَكَلِمَتُهُ
معطوف على رسول الله، والهاء مضاف إليه.
أَلْقَاهَا
جملة فعلية في محل نصب حال من كلمته أو نعت.
وَرُوحٌ مِّنْهُ
معطوف على رسول الله، ومنه جار ومجرور في محل رفع نعت لروح.
وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ
ثلاثة خبر لمبتدأ محذوف تقديره "الآلهة ثلاثة"، وجملة المبتدأ والخبر في محل نصب مقول القول؛ وقيل مفعول به لفعل محذوف.
انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ
انتهوا فعل أمر، وخيراً مفعول به لفعل محذوف تقديره "ائتوا خيراً لكم".
إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ
قصر وحصر، الله مبتدأ وإله خبر وواحد نعت.
سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ
سبحان مفعول مطلق لفعل محذوف، وأن وما في حيزها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول لأجله أو مجرور بمن محذوفة تقديره "عن أن يكون له ولد".
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تحرير المقام العقدي وتصحيح انحراف الغلو والتفريط:
وضعت هذه الآية الكريمة الميزان الإلهي القسط بين تطرفين متناقضين: تطرف اليهود الذين فرطوا وحطوا من قدر عيسى ورموه بالفاحشة والسحر، وتطرف النصارى الذين غلوا فيه فجعلوه إلهاً مجسداً؛ فجاء القرآن بالحق المحض والتوحيد الخالص: عيسى عبد الله ورسوله، خُلق بكلمته التكوينية ونفخة روحه المباركة دون أب، والله منزه تنزيهاً مطلقاً عن الصاحبة والولد والشريك.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة استدلال النصارى بلفظ {وَرُوحٌ مِّنْهُ} على لاهوت المسيح:
يدفع الإشكال: هذه مغالطة لغوية وعقلية سحقها علماء الأمة -كابن تيمية في "الجواب الصحيح" وابن القيم في "هداية الحيارى"- بالبراهين الساطعة:
حرف الجر "مِنْ" في لسان العرب يأتي لابتداء الغاية وليس للتبعيض دائماً؛ فإذا أُضيفت الروح إلى الله فهي كإضافة سائر المخلوقات إليه، كقوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ}؛ فهل يقول عاقل إن السماوات والأرض جزء مقتطع من ذات الله؟! بل المعنى أنها صادرة عن خلقه وتدبيره مبتدأة منه سبحانه.
إن الله تعالى قال في خلق آدم عليه السلام: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي}؛ فإذا كانت نسبة الروح تقتضي الألوهية لكان آدم أولى بالألوهية من عيسى لأنه خُلق بلا أب ولا أم، ومع ذلك أجمع العقلاء على بشرية آدم، فدل يقيناً على أن الإضافة إضافة تشريف وخلق وتكريم.
المحاكمة العقلية القاطعة في استحالة الولد على الله: الولد يقتضي مماثلة الوالد في الجنس، ويقتضي الصاحبة، ويقتضي الحدوث والتركيب والتجزئة؛ والله تعالى واجب الوجود، قديم أزلي، صمد لا يتجزأ ولا شبيه له، وكل ما سواه مخلوق مربوب، فاستحال عقلاً أن يكون له ولد {أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ ۖ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ}.