الاستدلال النبوي بالآية: أخرج أحمد في مسنده (رقم ١٧٧٦٤)مصدر غير محددحديث رقم ١٧٧٦٤، وأبو داود في سننه (كتاب الطهارة، باب إذا خاف الجنب البرد يتيمم، رقم ٣٣٤)مصدر غير محددحديث رقم ٣٣٤، والحاكم في المستدرك وصححه على شرط مسلم، عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت جنب؟»، فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت: إني سمعت الله يقول: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا}، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئاً (وهو إقرار نبوي قطعي لدلالة الآية على حفظ النفس والرخصة عند خوف الهلاك).
أكل الأموال بالباطل: أخرج الطبري (ج ٨، ص ٢٦٠)مصدر غير محدد٨/٢٦٠ عن ابن عباس وابن مسعود أن أكل المال بالباطل يشمل الربا، والقمار، والغصب، والسرقة، والرشوة، وشهادة الزور، والأيمان الفاجرة، وكل ما لم يأذن به الشرع.
القراءات القرآنية المتواترة:
قرأ الكوفيون (عاصم وحمزة والكسائي وخلف): {تِجَارَةً} بالنصب خبر كان الناقصة (واسمها ضمير مستتر يعود على الأموال أو التجارة).
وقرأ الباقون: {تِجَارَةٌ} بالرفع على أنها فاعل كان التامة (أي إلا أن تقع تجارة وتحدث).
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بِالْبَاطِلِ
الباطل ما ليس بحق، وهو كل ما خالف حكم الله ورسوله في المعاملات المالية.
تِجَارَةً
تقليب المال بالبيع والشراء بقصد تحصيل الربح الحلال.
عَن تَرَاضٍ
الرضا طيب النفس بالعقد ومقتضاه؛ واستعمال "عن" للمجاوزة والصدور؛ أي تجارة صادرة ونابعة عن رضا واختيار تام بلا إكراه ولا تدليس.
وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ
يشمل انتحار المرء بقتل نفسه، ويشمل قتل المسلم لأخيه المسلم؛ لأن الأمة كالجسد الواحد فقتل بعضهم قتل للكل، ويشمل إلقاء النفس في المهالك.
لَا تَأْكُلُوا
لا ناهية جازمة، تأكلوا مضارع مجزوم بحذف النون.
إِلَّا أَن تَكُونَ
استثناء منقطع (لأن التجارة عن تراض ليست من جنس أكل الباطل)، والمصدر المؤول في محل نصب على الاستثناء، أو متصل بتقدير مستثنى محذوف.
أَنفُسَكُمْ
مفعول به لتقتلوا.
رَحِيمًا
خبر كان منصوب، وفيه تعليل للنهي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
بعد أن بين القرآن حرمة الأموال الأسرية (أموال اليتامى والمواريث والمهور)، انتقل إلى تقرير النظام المالي والمصرفي للمجتمع بأسره، ثم قرن حرمة الأموال بحرمة الدماء والنفوس؛ لأن العدوان على الأموال ذريعة للتقاتل وإهدار الدماء، وهما ركنا استقرار المجتمعات.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الرضا المشروط بمطابقة الشريعة: قد يظن جاهل أن تراضي الطرفين كافٍ لحل المعاملة ولو كانت ربوية أو قماراً أو تجارة في محرمات كالخمور والمخدرات؛ والتحقيق الأصولي أن قوله {عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ} قيد للتجارة المباحة شرعاً؛ فالرضا بالباطل والمحرم لا يحل الحرام بإجماع المسلمين، وإنما الرضا المعتبر هو الرضا بالعقود التي أذن الشارع في جنسها وشروطها.
تحريم الانتحار وإهلاك النفس: الآية أصل قطعي في حرمة الانتحار بكافة صوره، ووجوب اتخاذ أسباب الوقاية وحفظ النفس وصيانتها من الأوبئة والمهالك.
التعبير بالأكل عن مطلق الأخذ والاستهلاك: {لَا تَأْكُلُوا}؛ لأن الأكل هو أعظم وأهم منافع استهلاك المال وأعمها، فاستعمل للتعبير عن كل استيلاء باطل على وجه التغليب والشناعة.
إسناد النفس إلى الجماعة {أَنفُسَكُمْ}: استعارة تمثيلية توحي بوحدة الأمة وتماسك بنيانها، فمن قتل غيره فكأنما باشر قتل نفسه لكونهما ينتميان لجسد إيماني واحد.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تطهير المعاملات التجارية من الغش والغرر والتدليس والاحتكار، وإشاعة الأمانة والصدق في الأسواق.
الحفاظ التام على الأرواح والأنفس، وتحريم كل ما يؤدي إلى إزهاق الروح بغير حق، والاعتصام برحمة الله وتجنب اليأس والقنوط.