أزواج مطهرة وظل ظليل: أخرج الطبري (ج ٨، ص ٥٠٨)مصدر غير محدد٨/٥٠٨ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله: {أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ}: أي طهرن من الحيض والنفاس، والبول والغائط، والبلغم والبصاق، ومن كل أذى ودنس، وطهرت بواطنهن من الغيرة والحسد وسوء الخلق.
أخرج ابن أبي حاتم وابن جرير عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، اقرؤوا إن شئتم: {وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ} و{وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا}».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
مُّطَهَّرَةٌ
اسم مفعول للتكثير والتأكيد؛ أي بلغن الغاية في الطهارة الحسية والروحية بتقدير الخالق سبحانه.
ظَلِيلًا
الظل الظليل هو الدائم الكثيف الوارف الذي لا يزول ولا تنسخه شمس ولا تؤذيه سموم؛ وهو تأكيد للراحة والسكينة.
وَالَّذِينَ
مبتدأ، وجملة آمنوا صلته.
سَنُدْخِلُهُمْ
خبر المبتدأ، والسين للقرب والتحقيق.
جَنَّاتٍ
مفعول به ثان لندخلهم.
أَبَدًا
ظرف زمان لتأكيد الخلود والدوام.
لَّهُمْ
خبر مقدم، و{أَزْوَاجٌ}: مبتدأ مؤخر، و{مُّطَهَّرَةٌ}: نعت له.
ظِلًّا
مفعول به ثان، و{ظَلِيلًا}: نعت مشتق من لفظه للمبالغة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة القرآنية الساحرة بين جحيم الكفار المحرق الذي تبدل فيه الجلود وتنضج بالنيران، وبين رياض الجنان الوارفة المليئة بالأنهار الجارية، والظلال المديدة، والأزواج المطهرة؛ ليستقر في قلب المؤمن الشوق العارم لجنة الخلد والتفاني في تحصيل أسبابها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حقيقة النعيم الجسدي والروحي في الجنة: القرآن لا يقصر نعيم الجنة على التجريد الفلسفي الروحي، بل يجمع بين كمال اللذة الروحية بالرضوان ورؤية الله، وبين كمال اللذة الجسدية بالأنهار والأزواج والظلال؛ لأن الإنسان خلق جسداً وروحاً، فكان كمال جزائه بتنعيم الروح والجسد معاً في أسمى مراتب الطهارة والتنزه عن النقائص الأرضية.
الوصف بالمشتق التوكيدي {ظِلًّا ظَلِيلًا}: التعبير بـ "ظليل" بعد "ظل" يفيد رسوخ الصفة وتمكنها؛ كقولهم "ليل أليل" و"يوم أيوم"؛ دلالة على السكون النفسي المطلق والوقاية التامة من كل كدر وحرارة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تشمير السواعد في الطاعات والتنافس في الصالحات للفوز بهذا النعيم الأبدي.
الحرص على تزكية النفس وتطهير الأخلاق في الدنيا تأسياً بصفات أهل الجنة.