سبب النزول: أخرج أحمد في مسنده (رقم ٢٢٤٠)مصدر غير محددحديث رقم ٢٢٤٠، وابن حبان في صحيحه (رقم ٦٥٧٢)مصدر غير محددحديث رقم ٦٥٧٢، والطبري في تفسيره (ج ٨، ص ٤٦٢)مصدر غير محدد٨/٤٦٢ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما قدم كعب بن الأشرف مكة، قالت له قريش: أنت خير أهل المدينة وسيدهم؟ قال: نعم، قالوا: ألا ترى إلى هذا الصنبور المنبتر من قومه (يعنون رسول الله صلى الله عليه وسلم) يزعم أنه خير منا، ونحن أهل الحجيج، وأهل السدانة، وأهل السقاية؟ فقال كعب: «أنتم خير منه وأهدى سبيلاً!»، فنزل قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَٰؤُلَاءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا}، ونزل قوله تعالى: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ}.
تفسير الجبت والطاغوت:
أخرج البخاري تعليقاً في صحيحه، والطبري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان».
قال ابن عباس ومجاهد: الجبت: الأصنام وحيي بن أخطب، والطاغوت: كعب بن الأشرف وكل رأس في الضلالة يطاع في معصية الله.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بِالْجِبْتِ
الجبت كل ما عبد من دون الله، أو السحر والكهانة والباطل الذي لا خير فيه، وقيل كلمة معربة أو حبشية أصلها الجبس وهو الثقيل الخبيث.
وَالطَّاغُوتِ
مشتق من الطغيان وهو مجاوزة الحد، ووزنه فعلوت؛ وهو كل متبوع أو مطاع في الباطل يصد عن عبادة الله.
سَبِيلًا
طريقاً ومذهباً.
أَلَمْ تَرَ
الهمزة للتعجيب، وترَ مضارع مجزوم بحذف حرف العلة.
يُؤْمِنُونَ
مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل نصب حال من "الذين".
هَٰؤُلَاءِ
الها للتنبيه، أولاء اسم إشارة مبتدأ، و{أَهْدَىٰ}: خبر مرفوع بضمة مقدرة.
سَبِيلًا
تمييز منصوب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
كشف لأقصى درجات السقوط والانحطاط العقدي لأولئك الأحبار؛ فحين أعمى الحقد قلوبهم لم يتورعوا عن السجود لأصنام قريش ومداهنتهم، وتفضيل عباد الأوثان على أهل التوحيد والإيمان؛ فجاءت الآية لتفضح خيانتهم للعلم الإلهي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
سقوط النزاهة العلمية عند اتباع الهوى: الآية تبرهن عقلياً على أن العالم إذا تحكم فيه الهوى والحسد استعد للتنازل عن أقدس مبادئه؛ فأحبار اليهود يعلمون قطعاً من كتبهم أن التوحيد خير من عبادة الأصنام، ولكنهم من أجل التحالف السياسي المؤقت ضد النبي صلى الله عليه وسلم زعموا أن المشركين أهدى سبيلاً؛ ففقدوا الأمانة وسقطوا في مستنقع الكفر الصريح.