تفسير السلف للفضل وعلم الله: قال ابن عباس وقتادة: ذلك الأجر العظيم وتلك المرافقة الشريفة للأنبياء والصديقين ليست بأعمالهم وحدها، بل هي فضل محض وتكرم وتفضل من الله الرحمن الرحيم؛ وكفى بالله عليماً بمن يستحق هذا الفضل وبمن أخلص قلبه وأحبه وأحب رسوله.
أخرج الطبري (ج ٨، ص ٥٧٥)مصدر غير محدد٨/٥٧٥ أن الآية تقطع غرور العباد وتذكرهم بأن الجنة ومنازلها عطاء رباني واسع.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
ذَٰلِكَ
اسم إشارة للبعيد لتعظيم شأن ذلك العطاء والمقام العالي.
الْفَضْلُ
الزيادة في الإحسان والجود التي لا يقابلها استحقاق لازم.
عَلِيمًا
عليم بمراتب الإخلاص والنيات وأعمال القلوب.
ذَٰلِكَ
مبتدأ، و{الْفَضْلُ}: بدل أو خبر.
مِنَ اللَّهِ
جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر أو حال.
وَكَفَىٰ
فعل ماض، واسم الجلالة فاعل محلاً (والباء زائدة).
عَلِيمًا
تمييز منصوب أو حال منصوبة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
جاء هذا التعقيب الرباني ليرد الفضل كله إلى الله الخالق المنان؛ لئلا يظن ظان أن الطاعة استوجبت ذلك الأجر استيجاب معاوضة عقلية جبرية، بل الأمر كله فضل من الله ورحمة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الجمع بين نصوص العمل ونصوص الفضل: ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لن يدخل أحداً منكم عملُه الجنة»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله ببرحمته وفضل». والآية تؤصل هذا المعنى الأقدس؛ فالأعمال الصالحة أسباب وعلامات، والفضل والقبول والمنازل العالية عطاء من الله العليم بمن يستحقها ويصلح لها.
التعظيم بالإشارة والتعريف: الإشارة بـ {ذَٰلِكَ} مع تعريف {الْفَضْلُ} بالعهد والكمال؛ للدلالة على أن هذا هو الفضل الحقيقي الذي تصغر في جنبه كل عطايا الدنيا وزخارفها الفانية.
التذييل بصفة العلم الإلهي: {وَكَفَىٰ بِاللَّهِ عَلِيمًا}؛ تطمين لكل مخلص يخفي عمله ويحب الله ورسوله، فإن الله عليم بما في قلبه من صدق ومحبة وسيجزيه بأحسن ما كان يعمل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الانكسار بين يدي الله والاعتراف بأن كل توفيق للطاعة وكل نعيم في الجنة هو من فضل الله وإحسانه.
إخلاص السرائر وتطهير القلوب، فإن الله عليم بما تنطوي عليه الضمائر.