مخطط إبليس الخماسي لإفساد الفطرة: أخرج ابن جرير الطبري (ج ٩، ص ٢٨٥-٣٠٥)مصدر غير محدد٩/٢٨٥ وابن أبي حاتم عن ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة في تفصيل خطوات إبليس:
١. {وَلَأُضِلَّنَّهُمْ}: عن طريق الحق والإيمان إلى الكفر والبدع.
٢. {وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ}: بالأماني الباطلة وطول الأمل، وأنه لا بعث ولا نشور ولا عقاب، وتزيين تسويف التوبة.
٣. {فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ}: تقطيع آذان البحائر والسوائب تديناً بالأصنام وابتداعاً في الشريعة كما كان أهل الجاهلية يفعلون.
٤. {فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ}: فسرها ابن عباس ومجاهد بقتادة وعكرمة بدين الله وعهده وفطرته، كقوله: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ}. وفسرها آخرون بالوشم، والوشر، والخصاء، والتحول وتغيير الهيئة الفطرية.
أخرج البخاري (رقم ٤٨٨٦)مصدر غير محددحديث رقم ٤٨٨٦ ومسلم (رقم ٢١٢٥)مصدر غير محددحديث رقم ٢١٢٥ عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله»، فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب، فجاءت فقالت: إنه بلغني عنك أنك لعنت كيت وكيت! فقال: «وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن هو في كتاب الله؟! قالت: لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدت فيه ما تقول! قال: لئن كنتِ قرأتيه لقد وجدتيه؛ أما قرأتِ: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا}؟! قالت: بلى، قال: فإنه قد نهى عنه».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات الدقيقة:
{وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ}: التمنية إلقاء الأماني الكاذبة والأوهام الباطلة في النفوس ليشغلها عن العمل الجاد.
{فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ}: تحويل الفطرة الإيمانية بالشرك، والعبث بالخلق الجسدي والكوني بما لم يأذن به الشرع.
{خُسْرَانًا مُّبِينًا}: هلاكاً وخساراً ظاهراً جلياً لا تدارك له.
الإعراب والتركيب:
أفعال مؤكدة متتابعة باللام ونون التوكيد الثقيلة مقسم عليها.
{فَلَيُبَتِّكُنَّ}: الفاء عاطفة تفريعية، واللام واقعة في جواب القسم، يبتكن مضارع مرفوع بثبوت النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين فاعل، ونون التوكيد لا محل لها.
{خُسْرَانًا}: مفعول مطلق منصوب، و{مُّبِينًا}: نعت له.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
كشف تفصيلي وتفكيك دقيق للبرنامج العملي للشيطان في إفساد المجتمع الإنساني؛ فبين القرآن أنه يبدأ بـ "الإضلال الفكري"، ثم "التخدير النفسي بالأماني"، ثم "الابتداع الديني بتشريع ما لم يأذن به الله (بتك الآذان)"، ثم يصل إلى الذروة بـ "تغيير الفطرة والخلقة الإلهية"؛ ليختم ببيان الخسران المبين لمن وقع في شباكه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحريم العبث بالفطرة والتحويل الجنسي والتشويه الجسدي: الآية أصل قطعي وإعجازي في تحريم كل تغيير لخلقة الله وفطرته؛ ويشمل ذلك بالاتفاق:
١. التغيير المعنوي الأكبر: وهو تبديل دين الفطرة والتوحيد بالشرك والإلحاد والشذوذ الفكري.
٢. التغيير المادي الجسدي: وهو العبث بالخلقة بالوشم، وتغيير الجنس والتحول عن الذكورة والأنوثة، والعمليات التجميلية المحرمة التي تستهدف تغيير ملامح الخلقة طلباً للغرور والفتنة بغير مسوغ علاجي؛ فكل هذه الممارسات هي استجابة حرفية لأمر الشيطان وإفساد لبديع صنع الله في الكون والجسد الإنساني.
توالي الأقسام المؤكدة بالنون واللام: أربعة أفعال متعاقبة ({وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ...}) لتجسيد شراسة الهجمة الشيطانية وعظيم إصرار إبليس على قيادة المعركة النفسية والتشريعية؛ ليكون المؤمن على أعلى درجات الحيطة واليقظة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
صيانة الفطرة البشرية، والرضا بخلق الله وقسمته، وتجنب العبث بالجسد بما حرمته الشريعة.
محاربة الأماني الكاذبة والتسويف بالعمل الصالح والتوبة النصوح.