القيام بالقسط والشهادة لله ولو على النفس والوالدين: أخرج الطبري في تفسيره (ج ٩، ص ٤٤٥-٤٦٠)مصدر غير محدد٩/٤٤٥ وابن أبي حاتم عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي قالوا: أمر الله المؤمنين أن يقيموا العدل والقسط في كل شأن، وأن يؤدوا الشهادة بالحق لوجه الله تعالى مخلصين، ولو كانت الشهادة على أنفسهم بالاعتراف بالحق، أو على آبائهم وأمهاتهم وأقرب الناس إليهم، فلا يمنعهم بر الوالدين ولا حب القرابة من قول الحق؛ ولا يحابوا غنياً لغناه وطمعاً في ماله، ولا يداهنوا فقيراً شفقة عليه ورثاية لفقره؛ فالله أولى برعاية الغني والفقير منكم.
القراءات القرآنية المتواترة:
قرأ حمزة وابن عامر: {وَإِن تَلْوُوا} بضم اللام وسكون الواو الأولى (تَلْووا) مخففاً، وقرأ الباقون: {وَإِن تَلْوُوا} بإسكان اللام وضم الواو الأولى وبعدها واو ساكنة (تَلْوُوا) من اللَّي وهو التحريف والمطل والتبديل في الشهادة.
قرأ الجمهور: {فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا} بتثنية الضمير؛ أي أولى بجنسي الغني والفقير، أو بالخصمين المتنازعين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
قَوَّامِينَ
صيغة مبالغة تفيد الملازمة والشدة والدوام في إقامة العدل والقسط.
بِالْقِسْطِ
العدل المستقيم السوي الذي لا عوج فيه ولا حيف.
أَن تَعْدِلُوا
العدول هنا يحتمل معنيين: كراهة أن تعدلوا عن الحق إلى الجور، أو إرادة أن تعدلوا في الظاهر وأنتم تميلون في الباطن، أو لأجل أن تعدلوا فاتركوا الهوى.
تَلْوُوا
اللَّي هو فتل اللسان وتحريف الشهادة بالتبديل والزيادة والنقصان.
تُعْرِضُوا
كتمان الشهادة بالكلية والامتناع عن أدائها.
كُونُوا
فعل أمر ناقص، والواو اسمه.
قَوَّامِينَ
خبر كان أول منصوب بالياء، و{شُهَدَاءَ}: خبر ثان منصوب، و{لِلَّهِ}: متعلق بشهداء.
وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ
الواو حالية، لو شرطية وصلية، والجار والمجرور متعلق بشهداء أو محذوف خبر كان المقدرة مع اسمها (أي ولو كانت الشهادة كائنة على أنفسكم).
إِن يَكُنْ
شرطية، واسمها ضمير مستتر يعود على المشهود عليه، و{غَنِيًّا}: خبر يكن، و{أَوْ فَقِيرًا}: معطوف.
فَاللَّهُ أَوْلَىٰ
الفاء رابطة، الله مبتدأ، وأولى خبر مرفوع بضمة مقدرة، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
فَلَا تَتَّبِعُوا
لا ناهية جازمة، تتبعوا مضارع مجزوم بحذف النون، و{الْهَوَىٰ}: مفعول به.
خَبِيرًا
خبر كان منصوب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص القرآني هو الدستور الأسمى لنزاهة القضاء وتجريد الشهادات من كل هوى وقرابة؛ جاء بعد تنظيم العلاقات الأسرية ومحاسبة الخائنين؛ ليضع المؤمنين أمام ميزان الحقيقة العاري: لا محاباة لنفس، ولا لوالد، ولا لغني، ولا لفقير؛ فالحق يعلو ولا يعلى عليه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تجريد العدالة القضائية من العواطف الشخصية والاجتماعية: الآية تقضي تماماً على النوازع البشرية الأربعة التي تعطل العدالة:
١. الأنانية وحب الذات: حطمها بقوله {وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ}.
٢. العاطفة الأسرية والبر: حطمها بقوله {أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ}.
٣. الرهبة والطمع في أصحاب النفوذ: حطمها بقوله {إِن يَكُنْ غَنِيًّا}.
٤. الشفقة المزيفة والتعاطف غير الشرعي: حطمها بقوله {أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا}؛ فالفقر لا يبيح التعدي ولا يسوغ شهادة الزور.
المقابلة المانعة للفساد بين {تَلْوُوا} و{تُعْرِضُوا}: استيعاب بياني بديع لكل صور إفساد الشهادة؛ فإما أن يبدلها ويحرفها بلسانه ({تَلْوُوا})، وإما أن يكتمها ويمتنع عن أدائها بالكلية ({تُعْرِضُوا})؛ فتوعد الله على كلا الصنيعين بعلمه وخبرته المحيطة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
أداء الشهادة بالحق والصدق دون مجاملة لقريب أو خشية من ذي سلطان.
الاعتراف بالحقوق ورد المظالم ولو كانت على النفس أو الأهل امتثالاً لأمر الله.