المحاكمة الأخروية وتبكيت المدافعين عن الخونة: قال السلف كابن عباس وقتادة ومجاهد: يوجه الله الخطاب لقوم بني أبيرق ولمن تعاطف معهم: هب أنكم دافعتم عنهم في الدنيا بالحجج والمغالطات وأفلتوا من العقوبة الدنيوية؛ فمن يدافع عنهم أمام محكمة الله العادلة يوم القيامة؟ ومن ذا الذي يملك أن يكون كفيلاً ووكيلاً يدفع عنهم عذاب النار؟!
أخرج الطبري (ج ٩، ص ٢٢٠)مصدر غير محدد٩/٢٢٠ أن هذا تقريع لكل من يخاصم عن مبطل أو يغالب الحق بالحيل.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
هَا أَنتُمْ
ها للتنبيه، وأنتم ضمير منفصل مبتدأ.
هَٰؤُلَاءِ
اسم إشارة خبر أو منادى محذوف الأداة (أي يا هؤلاء).
الفاء استئنافية، من اسم استفهام في محل رفع مبتدأ، وجملة يجادل خبره.
اللَّهَ
مفعول به منصوب على التعظيم.
عَنْهُمْ
متعلق بيجادل.
يَوْمَ الْقِيَامَةِ
ظرف زمان مضاف متعلق بيجادل.
أَم مَّن يَكُونُ
أم منقطعة بمعنى بل وهمزة الاستفهام، من مبتدأ، وجملة يكون خبر، و{وَكِيلًا}: خبر يكون منصوب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
نقل المعركة والمخاصمة من المحاكم الدنيوية المحدودة إلى ساحة القيامة الكبرى؛ ليوقن المتعصبون والمدافعون عن الباطل بتفاهة انتصاراتهم الزائفة في الدنيا وأن العاقبة هي الخزي والندم في الآخرة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
سقوط كل دفاع وحيلة أمام قضاء الله الأخروي: الآية تقيم محاكمة عقلية ساحقة؛ فالحيل القضائية والمراوغات اللفظية قد تخدع القاضي البشري في الدنيا لكونه يقضي بالظاهر، ولكن هذه الحيل تنعدم وتتلاشى تماماً أمام محكمة القيامة؛ فلا محامي يدفع، ولا رشوة تنفع، ولا وكيل ينقذ؛ فما قيمة تبرئة دنيوية يعقبها عذاب أبدي وسخط إلهي؟!