أخرج البخاري في صحيحه (كتاب الرقاق، باب الصراط وجسر جهنم، رقم ٦٥٦٥)مصدر غير محددحديث رقم ٦٥٦٥ ومسلم (رقم ١٨٢)مصدر غير محددحديث رقم ١٨٢ عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في حديث الشفاعة الطويل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «فيقول الله عز وجل: ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان فأخرجوه... ثم يقول أبو سعيد: إن لم تصدقوني فاقرؤوا إن شئتم: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا}».
أخرج مسلم في صحيحه (رقم ٢٨٠٨)مصدر غير محددحديث رقم ٢٨٠٨ عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا يظلم مؤمناً حسنة؛ يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها».
القراءات القرآنية المتواترة:
قرأ أهل الحجاز (نافع وابن كثير وأبو جعفر): {وَإِن تَكُ حَسَنَةٌ} برفع التاء (حسنةٌ) على أنها فاعل لـ "تك" التامة (أي وإن توجد حسنة وتحدث).
وقرأ الباقون: {حَسَنَةً} بنصب التاء خبراً لتك الناقصة، واسمها ضمير مستتر يعود على زنة الذرة أو الفعلة.
قرأ ابن كثير وابن محيصن: {يُضَعِّفْهَا} بتشديد العين بغير ألف، وقرأ الباقون: {يُضَاعِفْهَا} بالألف والتخفيف.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
مِثْقَالَ
وزن الشيء ومقداره الذي يوزن به، مأخوذ من الثقل.
ذَرَّةٍ
الذرة أصغر النمل الأحمر، أو الهباءة الدقيقة المنبثة في شعاع الشمس الداخل من كوة البيت، والمقصود منتهى الصغر والقلة.
مِن لَّدُنْهُ
من عنده سبحانه فضلاً وكرماً وإحساناً بغير استحقاق من العبد.
إِنَّ اللَّهَ
إن واسمها، وجملة {لَا يَظْلِمُ} خبرها.
مِثْقَالَ
مفعول به ثان ليظلم لتضمنه معنى "ينقص"، أو منصوب على نزع الخافض (أي لا يظلم بمثقال ذرة)، أو نائب عن المفعول المطلق.
يُضَاعِفْهَا
جواب الشرط مجزوم بالسكون، والهاء مفعول به.
أَجْرًا
مفعول به ثان ليؤت، و{عَظِيمًا} نعت له.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم البديع جاء ليقرر عدل الله المطلق وفضله السابغ؛ فبعد أن هدد أهل البخل والرياء ووعد أهل الإيمان والإنفاق، أكد أنه سبحانه لا ينقص أحداً من ثواب عمله ولو كان بقدر الذرة، بل يضاعف الحسنات تفضلاً وجوداً، فلا يخاف مطيع ظلماً ولا هضماً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تنزيه الله المطلق عن الظلم عقلاً وشرعاً: الظلم ممتنع على الله تعالى عقلاً ونقلاً؛ فالظلم إنما يقع من المحتاج للانتفاع، أو العاجز الخائف من الفوات، أو الجاهل بقبح الظلم، والله سبحانه غني عن كل ما سواه، عليم محيط، قادر قاهر، فثبت تنزيهه الأقدس عن أدنى مثقال ذرة من ظلم، وتأكد ذلك بالحديث القدسي: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا».
ضرب المثل بالذرة في التحقير: اختيار {مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} لتطمين قلوب المؤمنين بأن أصغر خطوة وأخفى عمل قلبي لا يضيع عند الله؛ والتعبير بـ {مِن لَّدُنْهُ} يرفع قيمة الأجر إلى مقام الفضل الرباني الذي يعجز الحساب عن إحصائه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
عدم احتقار أي معروف أو عمل صالح مهما كان صغيراً؛ "اتقوا النار ولو بشق تمرة".
الحذر من محقرات الذنوب؛ فإنها تجتمع على العبد حتى تهلكه كما أن مثقال الذرة محصى عند الله.