وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
سبب النزول وقصة سودة بنت زمعة رضي الله عنها: أخرج البخاري في صحيحه (كتاب النكاح، باب المرأة تهب يومها من زوجها لضرتها، رقم ٥٢٠٦)مصدر غير محددحديث رقم ٥٢٠٦ ومسلم في صحيحه (كتاب الرضاع، باب جواز هبتها نوبتها لضرتها، رقم ١٤٦٣)مصدر غير محددحديث رقم ١٤٦٣ والترمذي (رقم ٣٠٤٠)مصدر غير محددحديث رقم ٣٠٤٠ وصححه عن عائشة رضي الله عنها في قوله تعالى: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا} قالت: «نزلت في المرأة تكون عند الرجل فتطول صحبتها ويكبر سنها، فيريد أن يطلقها، فتقول: لا تطلقني وأمسكني وأنت في حِلّ من شأني، فجعلت ليلتها ويومها لعائشة؛ وهي سودة بنت زمعة رضي الله عنها».
وقرأ الباقون: {أَن يَصَّالَحَا} بفتح الياء والصاد مشددة وألف بعدها (أصلها يتصالحا فأدغمت التاء في الصاد).
وقرأ بعضهم: {صُلْحًا} بالضم، وقرأ عيسى بن عمر: {صَلَاحًا} بفتح الصاد وألف.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بَعْلِهَا
البعل هو الزوج وسيد البيت والقائم عليه.
نُشُوزًا
ترفعه عنها وكراهته لها ورغبته في مفارقتها لدمامة أو كبر سن.
إِعْرَاضًا
صدوداً وتثاقلاً في الحديث والمجالسة وقلة النفقة.
وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ
الشح أشد البخل مع الحرص؛ أي جبلت النفوس البشرية على حب الاستئثار بحقوقها وصعوبة التنازل عنها إلا بمجاهدة.
وَإِنِ
الواو استئنافية، إن شرطية، {امْرَأَةٌ}: فاعل لفعل محذوف يفسره ما بعده تقديره خافت.
خَافَتْ
فعل ماض والتاء للتأنيث.
نُشُوزًا
مفعول به لخافت.
فَلَا جُنَاحَ
الفاء رابطة، لا نافية للجنس وجناح اسمها، وعليهما خبرها.
أَن يُصْلِحَا
مصدر مؤول منصوب بنزع الخافض.
صُلْحًا
مفعول مطلق مؤكد أو مفعول به.
وَالصُّلْحُ خَيْرٌ
الواو اعتراضية، مبتدأ وخبر.
وَأُحْضِرَتِ
ماض مبني للمجهول، والأنفس مفعول به أول، و{الشُّحَّ}: مفعول به ثان.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص القرآني العظيم هو دستور الوفاق الأسري في حالات التباعد العاطفي؛ فبعد أن بين حكم نشوز المرأة في الآية (٣٤) وعلاجه، بين هنا حكم نشوز الرجل وصدوده؛ ففتح باب الصلح والتراضي والحلول الودية الرضائية بين الزوجين بديلاً عن الطلاق والفراق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
واقعية التشريع الإسلامي في معالجة فتور المشاعر: الآية تقدم حلاً واقعياً رحيماً لمشكلة أسرية شائعة حين يقل تعلق الزوج بالمرأة لكبر سنها أو مرضها مع عدم رغبته في استمرار المعاشرة الزوجية الكاملة، والمرأة تفضل البقاء في عصمته صيانة لمكانتها وحفظاً لأولادها؛ فأباح الشرع للمرأة أن تتنازل برضاها عن بعض حقها في القسم أو النفقة في مقابل بقاء عقد النكاح والمأوى؛ فكان هذا الصلح خيراً وأكرم للمرأة من الطلاق والتشرد؛ وفي هذا أسمى صور المرونة التشريعية.
الجملة الاعتراضية التقريرية {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ}: قاعدة كلية مطلقة؛ الصلح خير من الخصومة، والصلح خير من الطلاق، والصلح خير من الشقاق في سائر أبواب الحياة والمعاملات.
التعبير بـ {وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ}: تشخيص نفسي دقيق لجبلة النفس البشرية في التشبث بحقوقها ومغالبة الصلح؛ فالتنازل يحتاج إلى مغالبة شح النفس والترفع عن الأنانية؛ وختم بالحث على الإحسان والتقوى: {وَإِن تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا}.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
ترجيح الصلح والوفاق الأسري على الطلاق وتفكك البيوت كلما أمكن التراضي.
الترفع عن الشح وتقديم التنازلات المتبادلة بين الزوجين لحفظ العشرة وسلامة الأبناء.