وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
التلازم العقدي بين طاعة الرسول وطاعة الله: قال قتادة وابن عباس ومجاهد: يخبر الله تعالى عباده أن طاعة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم هي عين طاعة الله؛ لأنه صلوات الله وسلامه عليه لا ينطق عن الهوى، ولا يأمر إلا بما أمر الله به، ولا ينهى إلا عما نهى الله عنه؛ فمن أطاعه فقد أطاع ربه وخالقه.
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب الأحكام، باب قول الله تعالى: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول}، رقم ٧١٣٧) ومسلم (رقم ١٨٣٥)مصدر غير محددحديث رقم ١٨٣٥ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني».
أخرج البخاري (كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله، رقم ٧٢٨٠)مصدر غير محددحديث رقم ٧٢٨٠ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
تَوَلَّىٰ
الإعراض والتنحي عن الطاعة والاستكبار عنها.
حَفِيظًا
الحفيظ هو الرقيب والمحاسب والموكل بحفظ أعمالهم وإكراههم على الإيمان.
مَّن
اسم شرط جازم مبتدأ، يطع فعل الشرط مجزوم، والرسول مفعول به.
فَقَدْ
الفاء رابطة للجواب، قد حرف تحقيق، أطاع الله فعل وفاعل والجواب في محل جزم.
وَمَن تَوَلَّىٰ
معطوف على جملة الشرط السابقة.
فَمَا أَرْسَلْنَاكَ
الفاء رابطة، ما نافية، أرسلناك فعل وفاعل والكاف مفعول أول.
حَفِيظًا
حال منصوبة من الكاف (أو مفعول به ثان).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تتويج إلهي حاسم لعصمة النبي صلى الله عليه وسلم ومركزيته في التشريع؛ فبعد أن رد التنازع إلى الله والرسول، وأقسم على نفي الإيمان عمن لم يرض بحكمه، جاءت هذه الآية لتقطع دابر الشكوك: فطاعة الرسول ليست أمراً ملحقاً، بل هي عين طاعة الله تعالى ومقتضاها الصادق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حجية السنة النبوية والرد على القرآنيين ومنكري السنة: هذه الآية الصريحة هي حجة أهل السنة الدامغة على كل من يدعو إلى الاكتفاء بالقرآن ورد السنة؛ فالله سبحانه لم ينزل القرآن وحده ويترك بيانه للناس، بل جعل طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم طاعة له؛ فما صح في السنة الصحيحة من أوامر ونواه هو تشريع واجب الاتباع كالقرآن تماماً، ومن زعم أنه يتبع القرآن وهو يرد سنة النبي صلى الله عليه وسلم فقد كذبه القرآن في هذه الآية ورد دعواه؛ إذ كيف يطاع الرسول بعد وفاته إن كانت سنته مهدرة؟!
الجملة التوكيدية بـ "قد" في الجواب: {فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} لتقرير المطابقة التامة والاندماج بين الطاعتين؛ فالطاعة النبوية مرآة صادقة لمرضاة الله.
تسلية النبي صلى الله عليه وسلم بـ {فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا}: لتخفيف الحزن عن قلبه الشريف؛ فمهمته هي البلاغ المبين، وليس عليه هداية التوفيق ولا محاسبة المعرضين، فإنما حسابهم على الله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
لزوم تعظيم السنة النبوية، والحرص على تطبيق هديه صلى الله عليه وسلم في سائر شؤون الحياة.
إدراك أن وظيفة الداعية هي البلاغ والنصح بالرفق، دون تتبع عثرات الناس أو إكراههم على الهدى.