سبب النزول ومرحلتا مكة والمدينة: أخرج النسائي في سننه (كتاب الجهاد، باب وجوب الجهاد، رقم ٣٠٨٦)مصدر غير محددحديث رقم ٣٠٨٦، والحاكم في المستدرك وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، والطبري (ج ٨، ص ٦١٠)مصدر غير محدد٨/٦١٠ عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما: «أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابه أتوا النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فقالوا: يا رسول الله، كنا في عزة ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم (فنزلت: {كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ})، فلما حوله الله إلى المدينة أمره بالقتال، فكفوا، فأنزل الله عز وجل: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ...} الآية».
قال قتادة ومجاهد والسدي: كان بعض الناس في مكة يستعجلون القتال حماسة قبل إعداد النفوس، فلما هاجروا إلى المدينة وفرض القتال كرهه فريق منهم وتعللوا بطلب التأخير خوفاً من الموت والقتل.
القراءات القرآنية المتواترة:
قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: {وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا} بياء الغيبة إتباعاً لقوله {لِّمَنِ اتَّقَىٰ}.
الكف هو الامتناع والمنع عن القتال وإمساك اليد عن البطش.
يَخْشَوْنَ النَّاسَ
يخافون من المشركين وأسلحتهم وسطوتهم في الحرب.
أَوْ أَشَدَّ
أو هنا للشك في نظر الرائي أو للتقسيم أو بمعنى "بل" للإضراب والترقي في الوصف.
لَوْلَا
حرف تحضيض وتمن معناه هلا أو ليت.
فَتِيلًا
الخيط الدقيق في شق النواة، مثلاً في القلة.
أَلَمْ تَرَ
تعجيب، وترَ مجزوم بحذف حرف العلة.
فَلَمَّا كُتِبَ
لما حينية رابطة، كتب ماض مبني للمجهول، والقتال نائب فاعل.
إِذَا فَرِيقٌ
إذا فجائية، فريق مبتدأ، وجملة {يَخْشَوْنَ} خبره.
كَخَشْيَةِ اللَّهِ
جار ومجرور نعت لمصدر محذوف (أي خشية كخشية الله).
أَوْ أَشَدَّ
معطوف منصوب على موضع كخشية، و{خَشْيَةً} تمييز منصوب.
مَتَاعُ الدُّنْيَا
مبتدأ، و{قَلِيلٌ}: خبر مرفوع.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
نقد قرآني عميق للتقلبات النفسية والاندفاعات العاطفية غير المنضبطة؛ فبين كيف كان هؤلاء يستعجلون المعركة قبل نضج الشروط، فلما جاء التكليف الحاسم فزعوا وخافوا وطالبوا بالتأجيل؛ ليربيهم القرآن على التوازن والامتثال لحكمة التوقيت الرباني.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
فقه المراحل والتدرج في بناء الأمة: الآية تؤصل أصلاً استراتيجياً ودعوياً خطيراً: "فقه الاستضعاف والتمكين"؛ فالمسلمون في مكة كانوا قلة مستضعفين ولو أذن لهم بالقتال حينئذ لأبيدت الدعوة في مهدها، فكان الواجب هو "كف الأيدي وبناء الإيمان والصلاة والتربية الروحية والزكاة والأخلاق"؛ فلما قامت الدولة في المدينة وتوفرت القوة والحماية شرع القتال؛ فالاندفاع الحماسي غير المدروس جهل بمقاصد الشريعة وسنن التغيير.
دفع شبهة تمني الموت أو الخوف منه: حسمت الآية القضية بمحاكمة عقلية قاطعة: متاع الدنيا بكل شهواته قليل حقير سريع الزوال، والآخرة خير دائم ونعيم مطلق لمن اتقى، والأجل محتوم لا يقدمه جهاد ولا يؤخره قعود؛ فلا وجه للخوف من طاعة الله.
المفاجأة بـ {إِذَا} الفجائية: التعبير بـ {إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ} يجسد التناقض الصادم بين دعواهم الأولى وحماستهم الزائدة، وبين نكوصهم المفاجئ وجبنهم عند نزول الأمر الفعلي.