أصل الدين وقبول العمل: أخرج الطبري (ج ٩، ص ٣٥٥)مصدر غير محدد٩/٣٥٥ عن ابن عباس وقتادة ومجاهد قالوا: لا أحد أحسن ديناً ولا أهدى سبيلاً ممن أخلص عمله وقلبه لله وحده، وانقاد لشرعه وهو محسن في اتباعه لسنة نبيه، وسلك ملة إبراهيم مائلاً عن الشرك كله إلى التوحيد الخالص.
اتخاذ إبراهيم خليلاً: أخرج البخاري في صحيحه (كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: لو كنت متخذاً خليلاً، رقم ٣٦٥٦) ومسلم (رقم ٢٣٨٣)مصدر غير محددحديث رقم ٢٣٨٣ عن عبد الله بن مسعود وأبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا وإني أبرأ إلى كل خليل من خلته، ولو كنتُ متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن صاحبكم خليل الله (يعني نفسه صلى الله عليه وسلم)». وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم وإبراهيم عليه السلام هما خيلا الرحمن تبارك وتعالى.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
أَسْلَمَ وَجْهَهُ
أخلص قصده ونيته وخضع بذاته لله، والوجه أشرف الأعضاء فالتعبير به كناية عن انقياد النفس التام.
وَهُوَ مُحْسِنٌ
متبع للشرع في أعماله، محكم للاتباع النبوي مخلصاً لله.
حَنِيفًا
الحنيف المائل عن كل باطل وشرك إلى صراط التوحيد والاستقامة.
خَلِيلًا
الخليل هو الحبيب الذي تخللت محبته في سويداء القلب حتى لم تدع فيه متسعاً لغيره، والخلة أرفع درجات المحبة.
وَمَنْ
اسم استفهام إنكاري بمعنى النفي في محل رفع مبتدأ.
أَحْسَنُ
خبر المبتدأ مرفوع.
دِينًا
تمييز منصوب.
مِّمَّنْ
جار ومجرور متعلق بأحسن.
وَهُوَ مُحْسِنٌ
جملة حالية.
حَنِيفًا
حال منصوبة من إبراهيم أو من فاعل اتبع.
خَلِيلًا
مفعول به ثان لاتخذ.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص القرآني هو التعريف الجامع لحقيقة "الدين المقبول عند الله"؛ فبعد أن رد الأماني في الآية السابقة، وضع هنا الركنين الأساسيين اللذين لا يقبل الله عملاً بدونهما: "إخلاص النية لله" ({أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ})، و"متابعة الشريعة والسنة" ({وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ}).
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق صفة الخلة وتنزيه الله تعالى عن صفات النقص: أهل السنة والجماعة يثبتون اتخاذ الله لإبراهيم ومحمد خليلاً إثباتاً حقيقياً يليق بجلاله وعظمته، رداً على المعطلة والجهمية الذين أنكروا صفة الخلة والمحبة؛ فالخلة محبة خاصة اصطفى الله بها هذين النبيين الكريمين لامتلاء قلبيهما بمحبة الله والقيام بأمره وإيثاره على النفس والولد والأهل؛ فكان الجزاء باتخاذهما خليلين من بين سائر الخلائق.
الاستفهام الإنكاري لنفي الأفضلية عن غير هذا المنهج: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا}؛ أسلوب بلاغي يقرر في الأذهان أنه لا يمكن لعقل أن يتصور ديناً أعظم ولا أكمل ولا أنقى من التوحيد الخالص المقترن بالإحسان العملي.
التذييل بـ {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا}: تتويج وتكريم لشيخ الأنبياء إبراهيم عليه السلام؛ لإلزام أهل الكتاب والمشركين الذين يزعمون الانتساب إليه باتباع دينه الحق، وهو الإسلام.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحقيق شرطي قبول العمل: الإخلاص لله والمتابعة للسنة في كل حركة وسكون.
استشعار محبة الله والتودد إليه بالطاعات والنوافل حتى ينال العبد محبة ربه ورضوانه.