التهكم الإلهي بالمنافقين: قال ابن عباس وقتادة: يوجه الله الخطاب لنبيه صلى الله عليه وسلم بتبشير المنافقين على وجه التهكم بهم والتوبيخ؛ جزاء نفاقهم وموالاتهم للكافرين، بأن الله قد أعد لهم عذاباً موجعاً مؤلماً في الدرك الأسفل من النار.
أخرج الطبري (ج ٩، ص ٤٨٠)مصدر غير محدد٩/٤٨٠ أن البشارة هنا استعملت مجازاً في موضع الإنذار استهزاءً بآمالهم الكاذبة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بَشِّرِ
البشارة في الأصل هي الخبر السار الذي يظهر أثره في بشرة الوجه، واستعمالها هنا في العذاب تهكم وسخرية بانتظارهم الفوز والمغانم.
أَلِيمًا
موجعاً يبلغ الغاية في الإيلام والحسرة والمهانة.
بَشِّرِ
فعل أمر مبني على السكون وحرك بالكسر للساكنين، والفاعل مستتر تقديره أنت.
الْمُنَافِقِينَ
مفعول به منصوب بالياء.
بِأَنَّ لَهُمْ
الباء حرف جر، أن واسمها وخبرها في تأويل مصدر مجرور بالباء متعلق ببشر.
عَذَابًا
اسم أن مؤخر منصوب، و{أَلِيمًا}: نعت له.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الإعلان النبوي الحاسم جاء ليفضح صلب مرض المنافقين؛ فبينما هم يظنون أنهم في مأمن من خلال مراوغاتهم السياسية بين المؤمنين والكافرين، جاءهم الحكم الإلهي المزلزل بالبشارة المقلوبة التي تسلبهم كل طمأنينة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
بلاغة التهكم القرآني في مقابلة غرور المنافقين: استعمل القرآن أسلوب التهكم؛ لأن المنافق كان يمني نفسه بالسلامة والمغانم الدنيوية والظفر بالحسنيين بزعمه؛ فقوبل نقيض قصده بتبشيره بالعذاب الأليم؛ ليكون الوقع النفسي للعقوبة أشد إيلاماً وخزياً عليه من مجرد الإنذار العادي.
الاستعارة التهكمية التمليحية في {بَشِّرِ}: تنزيل الإنذار المؤلم منزلة البشارة السارة؛ لإشعارهم بأن هذا العذاب هو "هديتهم" الوحيدة التي استحقوها بكسبهم وخيانتهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر من خصال النفاق ومداهنة أعداء الله على حساب الدين.
استشعار هول العذاب الإلهي وعظم نكال الله بالمنافقين.