أجمع سلف الأمة وأئمة التفسير بالأثر -كابن جرير الطبري (ج ٩، ص ٣٧٦-٣٨٥)مصدر غير محدد٩/٣٧٦ وابن كثير وابن تيمية في "الجواب الصحيح" (ج ٢، ص ٢٧٥)الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيحابن تيمية٢/٢٧٥- على أن عيسى عليه السلام رُفع إلى السماء ببدنه وروحه حياً، ولم يمت ولم يُصلب، وأنه باقٍ في السماء حتى ينزل في آخر الزمان حكماً مقسطاً وإماماً عدلاً يكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويدعو إلى الإسلام.
روى البخاري في "صحيحه" (رقم ٣٤٤٨)مصدر غير محددحديث رقم ٣٤٤٨ ومسلم (رقم ١٥٥)مصدر غير محددحديث رقم ١٥٥ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً عدلاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بَل
حرف إضراب إبطالي يبطل دعوى قتله وصلبه ويثبت رفعه التام.
إِلَيْهِ
الرفع إلى الله تعالى هو رفع إلى سماء كرامته ومقر ملائكته المقربين، وتنزيه له عن مخالطة أهل الغدر والرجس.
عَزِيزًا
الغالب الذي لا يُقهر ولا يفوته مطلوب، فمن عزته حماية نبيه من مكر أعدائه.
حَكِيمًا
الذي يضع الأمور في مواضعها الباهرة بحكمته وتدبيره الخارق للعادة.
بَل
حرف إضراب.
رَّفَعَهُ
فعل ماض مبني على الفتح، والهاء مفعول به مبني في محل نصب.
اللَّهُ
فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
إِلَيْهِ
جار ومجرور متعلق برفعه.
وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا
جملة تذييلية مؤكدة لكمال الصفات الإلهية الفاعلة في هذا الحدث العظيم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إبطال دعوى القتل بإثبات الرفع التام:
جاء الإضراب بـ {بَل} بعد نفي القتل والصلب لتقرير الحقيقة العلوية البديلة؛ فبدلاً من أن يظفر به أعداؤه بالخزي على خشبة الصليب كما ادعوا، توجّه الله تعالى بأعظم إكرام بأن رفعه إليه سالماً مكرماً مبرأً من كل دنس.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: هل الرفع رفع روحي ومكانة أم رفع حقيقي بالبدن والروح؟:
يدفع الإشكال: قرر أئمة التحقيق أن الرفع هنا هو رفع حقيقي بالبدن والروح معاً، والأدلة العقلية واللغوية على ذلك قطعية:
إن الإضراب بـ {بَل} يقتضي رد ما ادعوه؛ واليهود ادعوا قتل بدنه وصلب جسده، فلو كان الرفع مجرد رفع المكانة أو قبض الروح كما يموت سائر الصالحين لم يكن إضراباً ناقضاً لدعواهم؛ لأن المقتول والمصلوب ظلماً ترتفع مكانته وروحه إلى الله أيضاً، فلا تكون لعيسى مزية تفرد بها تقهر مكرهم.
إن الضمير في {رَّفَعَهُ} يعود على عيسى بتمامه وهو مركب من روح وجسد، ولا يصح لغة صرف الضمير إلى بعضه دون دليل.
اقتران الرفع بصفة العزة والحكمة {عَزِيزًا حَكِيمًا}؛ وكمال العزة يظهر بالقدرة الباهرة على تخليصه بجسده وإعجازه للخصوم ورفعه إلى السماء خرقاً للنواميس.
إضافة الرفع إلى ذاته العلية {رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ}: تشريف باذخ لمقام هذا النبي الكريم؛ والتذييل بالعزة والحكمة تعليل لطيف لرفع عيسى، فالعزة لمنع أعدائه من النيل منه، والحكمة لادخاره للمهمة الكبرى في آخر الزمان لكسر دجل المسيح الدجال.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اليقين بأن معية الله لأوليائه تصنع المعجزات وتبطل كيد الجبابرة في أدق اللحظات وأحلكها.
الانتظار الإيماني البصير لنزول المسيح عليه السلام كعلامة كبرى من علامات الساعة وتصديق نبوءات المصطفى صلى الله عليه وسلم.