وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
حكم قصر الصلاة في السفر وسؤال يعلى بن أمية: أخرج مسلم في صحيحه (كتاب صلاة المسافرين وقصرها، رقم ٦٨٦)مصدر غير محددحديث رقم ٦٨٦ والترمذي (رقم ٣٠٣٤)مصدر غير محددحديث رقم ٣٠٣٤ وأبو داود والنسائي وأحمد عن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: أرأيت قول الله تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا}، وقد أَمِنَ الناس اليوم ولا يخافون؟! فقال عمر رضي الله عنه: «عجبتُ مما عجبتَ منه، فسألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: صدقةٌ تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته».
أخرج البخاري في صحيحه (رقم ١٠٩٠)مصدر غير محددحديث رقم ١٠٩٠ ومسلم (رقم ٦٨٧)مصدر غير محددحديث رقم ٦٨٧ عن عائشة رضي الله عنها قالت: «فُرضت الصلاة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأُقرّت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ
سافرتم فيها لجهاد، أو تجارة، أو حج، أو طلب علم.
جُنَاحٌ
إثم وحرج ومشقة وذنب.
أَن تَقْصُرُوا
القصر النقص والاختصار، والمراد قصر الصلاة الرباعية (الظهر والعصر والعشاء) إلى ركعتين، وقصر صفتها وهيئتها في صلاة الخوف.
يَفْتِنَكُمُ
يوقعكم في البلاء بالأسر والقتل والمباغتة في الصلاة.
وَإِذَا
ظرف زمان شرطي.
ضَرَبْتُمْ
فعل الشرط.
فَلَيْسَ
الفاء رابطة للجواب، ليس فعل ماض ناقص.
عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ
جار ومجرور خبر ليس مقدم، وجناح اسمها مؤخر.
أَن تَقْصُرُوا
مصدر مؤول منصوب بنزع الخافض (أي في أن تقصروا).
إِنْ خِفْتُمْ
شرط آخر جوابه محذوف دل عليه ما قبله.
أَن يَفْتِنَكُمُ
مفعول به لخفتم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تدرج رحيم في أحكام العبادات في أحوال الجهاد والهجرة والسفر؛ فبعد أن حض على الهجرة والجهاد وما يصحبهما من مشاق السفر ومخاوف العدو، شرع رخصة قصر الصلاة تيسيراً ورفعاً للحرج.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حكم قيد الخوف ودلالته الأصولية: دلت السنة المتواترة الصريحة وإجماع الأمة على أن قصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين مشروع ومسنون في كل سفر مباح بلغ مسافة القصر، سواء وُجد الخوف أو استقر الأمن؛ وقيد الخوف في الآية خرج مخرج الغالب في أسفار النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه التي كانت محفوفة بمخاوف الأعداء؛ والوصف إذا خرج مخرج الغالب لم يكن له مفهوم مخالفة عند جماهير الأصوليين؛ أو أن الآية تتناول أصل قصر العدد وهيئة الصلاة (صلاة الخوف) كما سيفصله في الآية التالية.
نفي الجناح {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ}: استعمل نفي الجناح لدفع الحرج النفسي الذي كان يقع في نفوس الصحابة من نقص الصلاة التي اعتادوا كمالها وتمامها؛ فبين أن النقص هنا طاعة وقبول لصدقة الله وتيسيره.
التذييل ببيان طبيعة العدو: {إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا}؛ تحذير للمؤمنين من الغفلة واستصحاب الحذر الدائم من مباغتة الأعداء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
العمل برخص الله وقبول صدقته في السفر بقصر الصلاة وجمعها وفق السنة النبوية الشريفة.
اليقين بسماحة الإسلام ورحمته بعباده ورفع الأغلال والآصار عن هذه الأمة.