سبب النزول: أخرج الطبري في تفسيره (ج ٨، ص ٣٢٠)مصدر غير محدد٨/٣٢٠ وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «نزلت هذه الآية في نفر من اليهود كانوا يأتون رجالاً من الأنصار يخالطونهم فينصحونهم ويقولون: لا تنفقوا أموالكم فإنا نخاف عليكم الفقر، ولا تسارعوا في النفقة فإنكم لا تدرون على ما تكونون، فأنزل الله فيهم: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ}».
كتمان ما آتاهم الله: يشمل كتمان المال بالبخل والشح، ويشمل كتمان العلم بما أنزل الله في التوراة من نعت محمد صلى الله عليه وسلم وصفته؛ فالآية عامة تتناول كل بخيل بمال أو علم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
يَبْخَلُونَ
البخل هو الإمساك والمنع لما يجب بذله شرعاً أو مروءة.
الْبُخْلِ
ضد الكرم والسخاء، وفي المثل: "البخل جامع للمساوي".
يَكْتُمُونَ
الكتمان إخفاء الشيء وستره عن العيون والأسماع.
مُّهِينًا
عذاباً يخزيهم ويذلهم جزاء تكبرهم وبخلهم.
الَّذِينَ
اسم موصول في محل نصب بدل من {مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا}، أو في محل نصب على الذم بفعل محذوف، أو في محل رفع مبتدأ وخبره محذوف تقديره: معذبون، أو الخبر قوله {وَأَعْتَدْنَا}.
يَبْخَلُونَ
فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة صلة الموصول.
مَا
اسم موصول في محل نصب مفعول به ليكتمون.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
لما حذر في الآية السابقة من الاختيال والفخر، بين هنا الرذائل المترتبة على ذلك؛ فالمختال الفخور بخيل بماله، حريص على إفساد غيره بأمرهم بالبخل لئلا يظهر كرمهم فيفتضح شحه، وكفور بنعمة ربه بكتمان فضل الله عليه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
إطلاق وصف الكفر على البخلاء والكاتمين: ختمت الآية بقوله: {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا}، وفيه وجهان عند أئمة السنة:
الأول: أن المراد كفار أهل الكتاب الذين كتموا صفة النبي صلى الله عليه وسلم وبخلوا بإنفاق المال في طاعة الله.
الثاني: أنه كفران النعمة وجحود فضل الله بالبخل والكنز، وكفران النعمة من خصال الكفر العملي؛ والوعيد بالعذاب المهين جزاء وفاق لمهانة نفوسهم الشحيحة.
التدرج في قبح السلوك: البخيل لم يكتف ببخل نفسه حتى تجاوز إلى أمر غيره بالبخل ليصنع بيئة من الشح تحميه من اللوم، ثم ارتقى في الرذيلة إلى كتمان فضل الله والتظاهر بالفقر والمسكنة، وهذا هبوط مروع في مدارج الأخلاق الإنسانية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
إظهار نعم الله بالبذل والسخاء والتحدث بفضل الله دون بطر؛ "إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده".
الحذر من التحريض على البخل أو تثبيط الناس عن الصدقات والإنفاق في وجوه الخير.