الوصية الجامعة للأولين والآخرين: أخرج ابن جرير الطبري (ج ٩، ص ٤١٥-٤٢٥)مصدر غير محدد٩/٤١٥ وابن أبي حاتم عن ابن عباس ومجاهد وقتادة قالوا: يخبر الله تعالى أن الوصية الجامعة التي وصى بها جميع الأمم وأهل الكتب السابقة من اليهود والنصارى وغيرهم، ووصى بها هذه الأمة الخاتمة هي وصية واحدة: {أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ}؛ بطاعته واجتناب معصيته، ومراقبته في السر والعلن، وأن كفر العباد لا ينقص من ملك الله وغناه شيئاً.
قال ابن مسعود رضي الله عنه: «تقوى الله حق تقاته: أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
وَصَّيْنَا
الوصية العهد المؤكد بالأمر الحازم في الشأن الجليل.
اتَّقُوا اللَّهَ
اجعلوا بينكم وبين عذاب الله وغضبه وقاية بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.
غَنِيًّا
الغني بذاته عن سائر خلقه وعباداتهم وأفعالهم.
حَمِيدًا
المحمود في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، المستحق للحمد وإن لم يحمده أحد.
وَلِلَّهِ
جار ومجرور خبر مقدم، و{مَا}: مبتدأ مؤخر.
وَلَقَدْ
الواو عاطفة أو استئنافية، اللام موطئة للقسم، قد حرف تحقيق.
وَصَّيْنَا
فعل وفاعل، و{الَّذِينَ}: مفعول به أول.
وَإِيَّاكُمْ
معطوف في محل نصب.
أَنِ اتَّقُوا
أن مفسرة (أو مصدرية في محل نصب بنزع الخافض)، واتقوا فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل.
وَإِن تَكْفُرُوا
شرطية، تكفروا فعل الشرط مجزوم، وجملة {فَإِنَّ لِلَّهِ...} دليل الجواب ومسدوده.
غَنِيًّا
خبر كان أول، و{حَمِيدًا}: خبر ثان.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ارتقاء عظيم بالسياق من تفاصيل العلاقات الأسرية والطلاق والمواريث إلى الوصية الكبرى التي تدور عليها كل الشرائع السماوية؛ ليربط استقرار البيوت وسعادة المجتمعات بمحور واحد وهو: "تقوى الله عز وجل".
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
غنى الله المطلق وبطلان حاجة الخالق لطاعة العباد: الآية تبرهن عقلياً على أن الشرائع والتكاليف إنما هي لمصلحة البشر وسعادتهم؛ فالله لا تنفعه طاعة المتقين ولا تضره معصية الكافرين؛ فلو كفر أهل السماوات والأرض جميعاً لكان لله الملك كله وهو الغني الحميد؛ والحديث القدسي في صحيح مسلم (رقم ٢٥٧٧)مصدر غير محددحديث رقم ٢٥٧٧ يصدق ذلك: «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً... ولو كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئاً».
تكرار {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} ثلاث مرات في آيات متقاربة:
١. الأولى (١٣١): لتقرير سعة الملك وعظمة المقدرة التي يصدر عنها التشريع.
٢. الثانية (١٣١): لتقرير الغنى الذاتي عند بيان كفر الكافرين.
٣. الثالثة (١٣٢): لتقرير كمال التوكل والكفاية والوكالة.
وهذا التكرار البديع لتثبيت عقيدة الملك والغنى المطلق في القلوب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
لزوم وصية الله الكبرى بتقوى الله في السر والعلن، وفي البيوت والأسواق.
استشعار عظمة الله وغناه وحمده، وعبادته حباً وإجلالاً وتعظيماً.