سبب النزول وقصة سرقة طعمة بن أبيرق: أخرج الترمذي في سننه (كتاب التفسير، تفسير سورة النساء، رقم ٣٠٣٦)مصدر غير محددحديث رقم ٣٠٣٦ وقال: حديث غريب، والحاكم في المستدرك (ج ٤، ص ٣٨٥)مصدر غير محدد٤/٣٨٥ وصححه ووافقه الذهبي، والطبري في تفسيره (ج ٩، ص ١٧٥-١٩٥)مصدر غير محدد٩/١٧٥ وابن أبي حاتم عن قتادة بن النعمان رضي الله عنه قال: كان أهل بيت منا يقال لهم بنو أبيرق: بشر وبشير ومبشر، وكان بشير رجلاً منافقاً يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ينحله بعض العرب، وكانوا أهل فاقة وحاجة، فقدمت عير من الشام فابتاع عمي رفاعة بن زيد حملاً من الدرمك (الدقيق الحوار الأبيض) فجعله في مشربة له وفيها سلاح ودرع وسيف، فعُدي عليه من تحت الليل فنُقبت مشربته وأُخذ الطعام والسلاح، فلما أصبح عمي رفاعة أتاني فقال: يا ابن أخي، إنه قد عُدي علينا في ليلتنا هذه فنقبت مشربتنا وذهب بطعامنا وسلاحنا! فتحسسنا في الدار وسألنا، فقيل لنا: قد رأينا بني أبيرق استوقدوا في ليلتهم هذه وما نرى إلا على بعض طعامكم، فلما سمع بنو أبيرق بذلك أتوا رجلاً بريئاً من المسلمين يقال له لبيد بن سهل (وفي رواية يهودياً يقال له زيد بن السمين) فرموه بالسرقة ودسوا السلاح في داره! وجاء قوم بني أبيرق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلموه وقالوا: يا رسول الله، إن صاحبنا بريء وإن السارق فلان، فجادل عن صاحبنا وادفع عنه؛ فكاد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصدقهم ويقضي على المتهم البريء بما أظهروه من اللحن بالحجة، فأنزل الله تبارك وتعالى هذه الآيات التسع تبرئة للبريء وفضحاً للخائنين: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ۚ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا}.
وهرب طعمة بن أبيرق بعد نزول الآيات إلى مكة وارتد عن الإسلام، ونقب بيتاً بمكة ليسرقه فسقط عليه الحائط فمات كافراً.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بِالْحَقِّ
بالعدل والصدق واليقين التام المنزه عن الجور والهوى.
بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ
بما علمك الله وأوحاه إليك وألهمك به من شرائع العدل وحقائق الأحكام، لا بمجرد الرأي والهوى المجرد.
خَصِيمًا
مدافعاً ومخاصماً ومجادلاً عن الخائنين تدفع عنهم العقوبة.
إِنَّا
إن واسمها، وجملة {أَنزَلْنَا}: خبرها.
الْكِتَابَ
مفعول به لأنزلنا، و{بِالْحَقِّ}: جار ومجرور في محل نصب حال من الكتاب أو بأنزلنا.
لِتَحْكُمَ
اللام لام كي، تحكم مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام.
بَيْنَ النَّاسِ
ظرف مكان متعلق بتحكم، والناس مضاف إليه.
بِمَا
جار ومجرور متعلق بتحكم، وما موصولة، وجملة {أَرَاكَ اللَّهُ} صلتها.
وَلَا تَكُن
لا ناهية جازمة، تكن مضارع ناقص مجزوم بالسكون واسمه ضمير مستتر (أنت).
لِّلْخَائِنِينَ
متعلق بخصيماً، و{خَصِيمًا}: خبر تكن منصوب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص القرآني هو أعظم إعلان للنزاهة القضائية والعدالة المطلقة في تاريخ البشرية؛ ينزل من فوق سبع سماوات ليعاتب النبي المعصوم صلوات الله وسلامه عليه ويزجره عن الدفاع عن مسلم اتهم ظلماً رجلاً يهودياً أو بريئاً؛ ليقرر أن ميزان العدالة الإسلامية لا يحابي مسلماً لقرابته أو إسلامه، ولا يظلم غير المسلم لكفره؛ بل يقيم الحق بالقسطاس المستقيم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حقيقة الحكم بما أرى الله ودفع التحكيم بالهوى: الآية تقيد قضاء القاضي وحكم الحاكم بالوحي وما أرشده الله إليه من الأدلة والبراهين؛ فلا يجوز لقاض أن يحكم بهواه أو تعصبه المذهبي أو الحزبي؛ ونهي النبي صلى الله عليه وسلم عن أن يكون خصيماً للخائنين يؤسس لقاعدة فقهية جليلة: تحريم الترافع والدفاع عن المتهمين إذا علم المحامي أو الوكيل خيانتهم وجرمهم؛ فالمحاماة عن الباطل خيانة لله وللأمانة.
إطلاق {بَيْنَ النَّاسِ} لتقرير العموم البشري: لم يقل "بين المؤمنين" بل قال: {بَيْنَ النَّاسِ}؛ للتأكيد على أن العدل القضائي حق طبيعي لكل إنسان على وجه الأرض مسلماً كان أو غير مسلم.
صيغة المبالغة في {خَصِيمًا}: النهي عن المبالغة في الخصومة والجدال لصالح المجرمين والخونة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
إقامة العدل التام في القضاء والشهادات والخصومات دون محاباة للأقارب أو المسلمين على حساب الحق.
تحريم الدفاع عن المجرمين وسارقي الأموال العامة ومحاولة تبرئتهم بالحيل القانونية.