أخرج الطبري (7/ 592)مصدر غير محدد٧/٥٩٢ وابن أبي حاتم (4/ 1154)مصدر غير محدد٤/١١٥٤ عن قتادة ومجاهد: نزلت الآية في مشركي العرب وأهل الكتاب من اليهود والنصارى؛ فاليهود آمنوا بالتوراة وموسى وكفروا بالإنجيل وعيسى والقرآن ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم، والنصارى آمنوا بالإنجيل وعيسى وكفروا بالقرآن ومحمد صلوات الله وسلامه عليه؛ فأرادوا تفريق كلمة النبوة واجتزاء الرسالة حسب أهوائهم، فكذبهم الله وحكم عليهم بالكفر التام المستوعب.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{يُفَرِّقُوا}: التفريق: التشتيت والتمييز والقطع، والتفريق بين الله ورسله هو الإيمان بالله نظرياً وتكذيب رسله، أو الإيمان ببعض الرسل دون بعض.
{سَبِيلًا}: طريقاً وسطاً مخترعاً بين الإيمان والكفر بزعمهم.
الإعراب والتركيب:
{إِنَّ}: حرف ناسخ، و{الَّذِينَ}: اسمها في محل نصب.
{يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ}: جملة الصلة لا محل لها من الإعراب.
{وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا}: معطوف على يكفرون، وأن وما بعدها في تأويل مصدر مفعول به ليريدون.
{وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ}: جملة مقول القول في محل نصب، والباء للصلة، والتنوين في بعض عوض عن مضاف إليه محذوف (أي ببعض الرسل).
{وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا}: بين ظرف متعلق بيتخذوا أو بمحذوف حال، وذلك إشارة إلى الإيمان المطلق والكفر المطلق، وسبيلاً مفعول به.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال إلى محاكمة مسالك التحريف لدى أهل الكتاب:
بعد أن فضح الله مسالك المنافقين وتذبذبهم؛ انتقل السياق إلى فضح كفر أهل الكتاب ومن لف لفهم من الذين يدعون الإيمان بجزء من الوحي ويكفرون بتمامه؛ فجمعهم القرآن في خندق واحد مع المنافقين؛ لأن أصل الضلال في كلا الفريقين هو التحكيم للهوى والتبعيض لشرع الله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
حقيقة وحدة الرسالة الإلهية وبطلان التجزئة:
برهن الإمام الرازي في "مفاتيح الغيب" (11/ 96)مفاتيح الغيبفخر الدين الرازي١١/٩٦: أن الدليل العقلي الموجب للإيمان بنبوة موسى أو عيسى هو عين الدليل الموجب للإيمان بنبوة محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين (وهو ظهور المعجزات والصدق والكمال والتشريع الرباني المتطابق)؛ فإذا صدقوا نبياً وكذبوا نبياً آخر مع قيام نفس البراهين، كان تصديقهم تحكماً هوائياً محضاً لا سند له من عقل أو نقل، وكان كفرهم بأحد الرسل كفراً بالمرسِل سبحانه؛ لأن تكذيب الرسول تكذيب لمن أرسله.