أخرج الطبري (ج ٩، ص ٣٥٦-٣٦٥)مصدر غير محدد٩/٣٥٦ عن ابن عباس وقتادة: بيّن الله تعالى الأسباب التي استوجبت لعنهم وطردهم من رحمته، وهي جرائم متراكمة: نقض الميثاق، والكفر بآيات الله، وسفك دماء الأنبياء ظلماً وبغياً كقتلهم زكريا ويحيى عليهما السلام، ثم ادعاؤهم الوقح أن قلوبهم مغطاة مستغنية لا تفقه ما يقوله الرسول.
وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه في تفسير {قُلُوبُنَا غُلْفٌ}: قالوا إن قلوبنا في أوعية وأغطية مانعة من وصول كلامك إليها، فرد الله عليهم: {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ}؛ أي ختم عليها بسبب كفرهم واستكبارهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات والدلالات:
{غُلْفٌ}: جمع أغلف، وهو المغشى بغشاء وغلاف يحجب ما تحته عن الرؤية والوصول؛ وقرئ شاذاً {غُلُفٌ} بضم اللام كجمع غلاف، أي قلوبنا أوعية للعلم والحكمة فلا حاجة لنا بما جئت به.
{طَبَعَ}: الطبع هو الختم والتغطية المانعة من دخول الهدى وخروج الضلال، كالكتاب المختوم الذي لا يوصل إلى ما فيه.
الإعراب والتركيب:
{فَبِمَا نَقْضِهِم}: الفاء رابطة أو عاطفة، الباء حرف جر للسببية، ما زائدة مؤكدة تفيد التعظيم والإبهام، نقضهم مجرور بالباء وعلامة جره الكسرة، وهو مضاف وميثاقهم مضاف إليه.
وجواب الباء محذوف تقديره: "فبما نقضهم... لعنّاهم وطردناهم وحرمنا عليهم الطيبات"، وهو أسلوب عربي فخم للدلالة على فداحة العقاب المحذوف.
{بِغَيْرِ حَقٍّ}: حال مؤكدة لقبح القتل، والقتل لا يكون بحق أبداً بالنسبة للأنبياء المعصومين.
{بَلْ}: حرف إضراب وإبطال لزعمهم.
{فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا}: إلا أداة حصر، وقليلاً نعت لمصدر محذوف (أي إيماناً قليلاً)، أو حال من الفاعل (أي إلا نفراً قليلاً كعبد الله بن سلام وأصحابه).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
سلسلة القبائح وبلوغ الذروة في التجرؤ على الدماء الطاهرة:
تصاعد السياق في فضح قبائحهم من المعاصي الفكرية والمواثيق إلى إراقة دماء رسل السماء بغير حق، ثم التبجح بالاستغناء عن الوحي؛ فجاء الإضراب الإلهي {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا} ليبطل عذرهم المزعوم في عدم الفهم، ويثبت أن عدم إيمانهم عقوبة استحقوها بجراءتهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة: لماذا قال {بِغَيْرِ حَقٍّ} وقتل الأنبياء لا يمكن أن يكون بحق أصلاً؟:
يدفع الإشكال: ذكر الزمخشري في "الكشاف" والرازي: أن القيد {بِغَيْرِ حَقٍّ} ليس قيداً احترازياً يُفهم منه جواز قتلهم بحق، وإنما هو:
كشف لواقع الجريمة وبيان لظلمهم الصارخ؛ لأنهم قتلوهم وهم يعلمون أنهم أنبياء صادقون، فلم يكن قتلهم ناشئاً عن تأويل وشبهة أو حد شرعي، بل عن علم وبغي واعتداء محض.
تأكيد وتفظيع للجناية؛ كقوله تعالى {وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ}؛ فالإله الآخر لا يكون له برهان أبداً، لكن ذُكر لتسفيه العابد وفضح ضلاله.
حرف الزيادة البلاغي "ما" في {فَبِمَا نَقْضِهِم}: إفادة التعظيم والتهويل لجرم النقض كأنه أمر هائل لا تحيط به العبارة؛ وحذف جواب الجار والمجرور لترتعد له القلوب من شدة العذاب المقدر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر الشديد من الركون إلى الكبر ورد الحق، فإن الجزاء الحتمي للتمرد المستمر هو طبع القلب وموته وعماه عن الأنوار.
الاعتراف بالذنب عند الوقوع فيه والمسارعة إلى التوبة بدل الاعتذار الكاذب بالقدر أو بادعاء الغفلة.