وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
سبب النزول وقصة شراج الحرة: أخرج البخاري في صحيحه (كتاب الصلح، باب إذا أشار الإمام بالصلح فأبى حكم عليه، رقم ٢٣٥٩)مصدر غير محددحديث رقم ٢٣٥٩ ومسلم في صحيحه (كتاب الفضائل، باب وجوب اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، رقم ٢٣٥٧)مصدر غير محددحديث رقم ٢٣٥٧ عن عروة بن الزبير أن عبد الله بن الزبير حدثه: أن رجلاً من الأنصار خاصم الزبير بن العوام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في شراج الحرة التي يسقون بها النخل، فقال الأنصاري: سرح الماء يمر، فأبى عليه الزبير، فاختصما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير: «اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك» (وهذا كان صلحاً وتيسيراً)، فغضب الأنصاري وقال: أن كان ابن عمتك؟! فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: «يا زبير، اسق ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر، ثم أرسل الماء إلى جارك»، فاستوعى رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير حقه في صريح الحكم حين أحفظه الأنصاري (أغضبه)، وكان قبل ذلك أشار عليهما بأمر لهما فيه سعة، قال عروة: فقال الزبير: والله ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في ذلك: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
شَجَرَ
الشجر في اللغة التداخل والاختلاط، ومنه الشجر لتداخل أغصانه؛ وشجر بينهم النزاع إذا اختلطت أقوالهم وتشابكت خصوماتهم.
حَرَجًا
الحرج هو الضيق والشك والاعتراض الباطني في الصدر.
قَضَيْتَ
حكمت به وفصلت في أمره.
وَيُسَلِّمُوا
التسليم الانقياد والإذعان والخضوع التام.
فَلَا
الفاء استئنافية، ولا لتأكيد النفي أو صلة لتوطئة القسم.
لا نافية، يؤمنون مضارع والواو فاعل، والجملة جواب القسم.
حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ
حتى حرف غاية ونصب، يحكموك مضارع منصوب بأن مضمرة بحذف النون، والكاف مفعول به.
تَسْلِيمًا
مفعول مطلق مؤكد للفعل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص هو الذروة العليا لشروط الإيمان بالله ورسوله؛ أقسم الله سبحانه بنفسه الكريمة قسماً مؤكداً أنه لا يثبت لأحد إيمان صحيح حتى تكتمل له ثلاثة أركان: التحكيم القضائي والتشريعي للرسول، والرضا النفسي القلبي بحكمه بغير ضيق، والتسليم العملي التام الخاضع لأمره.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
مراتك التسليم الإيماني الثلاث: الآية تؤصل حقيقة التوحيد والانقياد؛ فلا يكفي التحكيم الظاهري مع وجود الغيظ والتململ الباطني في القلب؛ بل يجب أن ينشرح الصدر لقضاء الشريعة؛ فمن وجد في نفسه حرجاً أو اعتراضاً على حكم قطعي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فليتهم إيمانه؛ فالشريعة حكمت الظواهر والبواطن معاً، وجعلت التسليم لحكم الرسول هو الميزان العقدي الفارق بين الصدق والنفاق.
القسم العظيم بربوبية النبي صلى الله عليه وسلم: قوله {فَلَا وَرَبِّكَ} تشريف وتكريم هائل لمقام النبي صلى الله عليه وسلم بإضافة اسم الرب إليه مفرداً كاف الخطاب؛ وتأكيد التسليم بالمصدر {تَسْلِيمًا} للدلالة على الانقياد المطلق الذي لا تشوبه شائبة تردد.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التسليم التام لأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة وأحكامه الفقهية دون تقديم الآراء والأهواء عليها.
تفقد القلوب والحرص على تنقيتها من التبرم أو الاعتراض على شرع الله وأقداره.