رمي البريء والبهتان العظيم: أخرج الطبري في تفسيره (ج ٩، ص ٢٣٥)مصدر غير محدد٩/٢٣٥ وابن أبي حاتم عن قتادة وابن عباس ومجاهد قالوا: نزلت في طعمة بن أبيرق حين سرق الدرع والطعام، ثم ألقاها في دار زيد بن السمين اليهودي (أو لبيد بن سهل) وقال: هو سرقها! فكسب أولاً خطيئة بالسرقة وإثماً بالخيانة، ثم رمى بذلك رجلاً بريئاً فاحتمل بهتاناً وإثماً مبيناً.
أخرج مسلم في صحيحه (رقم ٢٥٨١)مصدر غير محددحديث رقم ٢٥٨١ وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهتّه».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
خَطِيئَةً
الذنب الصغير أو ما يرتكبه الإنسان عن غير تعمد مستحكم ثم يصر عليه، وقيل الذنب الخاص بين العبد وربه.
إِثْمًا
الذنب المتعمد العظيم المتعدي إلى حقوق الآخرين كالسرقة والغصب.
ثُمَّ يَرْمِ بِهِ
الرمي القذف والاتهام الباطل وإلصاق الجريمة بالغير، وضمير "به" مفرد لعوده على المذكور من الخطيئة أو الإثم.
بَرِيئًا
الخالي من الذنب والجريمة المنسوبة إليه، من البراءة وهي السلامة من العيب.
احْتَمَلَ
الحمل على الظهر بثقل ومشقة، وافتعل للمبالغة؛ أي حمل وزراً ثقيلاً ينوء به يوم القيامة.
بُهْتَانًا
الكذب المفترى الشنيع الذي يبهت سامعه لفضاعته وعظم ظلمه.
وَمَن
اسم شرط جازم مبتدأ، يكسب فعل الشرط مجزوم.
خَطِيئَةً
مفعول به ليكسب، و{أَوْ إِثْمًا}: معطوف منصوب.
ثُمَّ يَرْمِ
معطوف على يكسب مجزوم بحذف حرف العلة (الياء).
بِهِ
متعلق بيرم.
بَرِيئًا
مفعول به ليرم.
فَقَدِ احْتَمَلَ
الفاء رابطة للجواب، قد حرف تحقيق، احتمل فعل ماض وفاعله مستتر، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
بُهْتَانًا
مفعول به لاحتمل، و{وَإِثْمًا}: معطوف، و{مُّبِينًا}: نعت.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص القرآني هو ذروة الحماية التشريعية لسمعة الأبرياء وكرامتهم؛ فبعد أن بين شؤم كسب الإثم على النفس، غلّظ العقوبة أضعافاً مضاعفة على من يضيف إلى جريمته جريمة أخرى وهي "تلفيق التهمة للأبرياء" وتوريطهم ظلماً؛ فجعله محتملاً لبهتان هائل وإثم ظاهر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحريم التلفيق القضائي وحماية أعراض الناس: الآية تضع أصل التجريم الجنائي للتلفيق وشهادة الزور وصناعة الأدلة المزورة؛ فرمي البريء جريمة مركبة تشتمل على: الكذب، والظلم، وتضليل العدالة والقضاء، وإيذاء النفس البريئة المعصومة، وسلب سمعتها؛ ولذلك كان البهتان من أعظم الكبائر التي لا يغفرها الله إلا بعفو المظلوم ورجوع الظالم عن افترائه وإعلان براءة البريء على الملأ.
الاستعارة التمثيلية الحية في {فَقَدِ احْتَمَلَ}: تصوير البهتان والإثم كأنه صخرة عظيمة أو حمل ثقيل كالح الجبال يحمله الجاني على ظهره ينوء به ويفضحه بين الخلائق يوم تبلى السرائر.
التراخي بـ "ثم" في {ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا}: لبيان فظاعة الجرم؛ فبدلاً من أن يراجع نفسه ويتوب بعد ارتكاب الذنب، مضى وتراخى في الغي وفكر ودبر ليرمي بريئاً بجريرته؛ فاستحق لعنة البهتان.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر الشديد من توجيه التهم وإلقاء الشبهات على الأبرياء بغير بينة قاطعة.
الشجاعة الأخلاقية في الاعتراف بالخطأ بدلاً من التستر عليه برمي الآخرين وتوريطهم.