وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
تكرار الآية وحكم ردة طعمة بن أبيرق: قال ابن عباس وقتادة ومجاهد: تكررت هذه الآية في سورة النساء (بعد الآية ٤٨)؛ الأولى نزلت في أهل الكتاب والمنافقين حين ادعوا أنهم أبناء الله وأحباؤه، وهذه الآية الثانية نزلت في شأن طعمة بن أبيرق الذي ارتد عن الإسلام ومات مشركاً بمكة سارقاً؛ لبيان أنه بموته على الشرك والكفر قد قطع على نفسه كل أمل في المغفرة، وأن ذنبه غير قابل للعفو بعد الموت.
أجمع السلف على أن الشرك والكفر محكوم عليهما بالخلود الأبدي بالنار لمن مات عليهما، وأن الذنوب الكبائر دون الشرك تحت مشيئة الله وعفوه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
أَن يُشْرَكَ بِهِ
المصدر المؤول (الإشراك) مفعول به ليغفر، وهو عام في كل أنواع الشرك الأكبر.
مَا دُونَ ذَٰلِكَ
ما سواه من المعاصي والكبائر كالقتل والزنا والسرقة وغيرها.
ضَلَالًا بَعِيدًا
انحرافاً شاسعاً منقطع الرجوع، تائهاً عن الصراط المستقيم في مهاوي الردى.
إِنَّ اللَّهَ
إن واسمها، وجملة لا يغفر خبرها.
وَمَن يُشْرِكْ
اسم شرط جازم مبتدأ، يشرك فعل الشرط مجزوم.
فَقَدْ ضَلَّ
الفاء رابطة للجواب، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
ضَلَالًا
مفعول مطلق مؤكد، و{بَعِيدًا}: نعت منصوب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص القرآني هو الخاتمة القطعية لمصير طعمة وأمثاله من المرتدين؛ فبين أن مفارقة سبيل المؤمنين وردة الدين تقود إلى الشرك الذي لا رجاء في مغفرته بعد الموت، محذراً كل مسلم من استصغار خطوات الشيطان التي تفضي إلى الردة والضلال البعيد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حكمة تكرار الآية في نفس السورة والفرق بين ختاميهما:
١. في الآية الأولى (٤٨) قال: {فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا}؛ لأنها وردت في سياق أهل الكتاب واليهود الذين افتروا على الله الكذب وزكوا أنفسهم، فناسبها ختم الافتراء.
٢. وفي هذه الآية (١١٦) قال: {فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا}؛ لأنها وردت في سياق طعمة بن أبيرق الذي هرب وارتد وسلك سبل التيه والغواية فناسبها ختم الضلال البعيد؛ وهذا من دقائق الإعجاز النظمي في القرآن.
وصف الضلال بـ {بَعِيدًا}: تصوير حسي للمشرك؛ كمن سقط في صحراء مظلمة شاسعة لا ماء فيها ولا أنيس ولا هادٍ، فتاه بعيداً عن موارد النجاة حتى هلك عطشاً وجوعاً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تجريد التوحيد والخوف الشديد من الشرك؛ فإنه المحبط لجميع الأعمال الصالحة.
تجنب خطوات التمرد على الشريعة التي قد تجر العبد رويداً رويداً إلى مستنقع الردة والهلاك.