علو الهمة وطلب ثواب الدارين: أخرج الطبري في تفسيره (ج ٩، ص ٤٤٠)مصدر غير محدد٩/٤٤٠ وابن أبي حاتم عن ابن عباس وقتادة ومجاهد قالوا: من كان قصده وعمله وهمه مقصوراً على عرض الدنيا الفاني من مال وغنيمة وجاه، فليعلم أن عند الله خزائن الدنيا والآخرة جميعاً؛ فلم يقصر همته على الفاني الخسيس ويحرم نفسه من النعيم الدائم؟! فليطلب من الله ثواب الدارين بالإيمان الصادق والعمل الصالح.
أخرج أحمد في مسنده وابن ماجه (رقم ٤١٠٥)مصدر غير محددحديث رقم ٤١٠٥ عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كانت الآخرة همّه، جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همّه، جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قُدر له».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
ثَوَابَ
الثواب الجزاء والعطاء الذي يثوب ويرجع إلى العامل عوضاً عن عمله.
ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ
خيرات الدنيا وبركاتها من رزق ونصر وتمكين وسكينة، ونعيم الآخرة ورضوان الله وجنته.
اسم شرط جازم مبتدأ، كان فعل ماض ناقص واسمه ضمير مستتر يعود على "من"، وجملة {يُرِيدُ}: خبر كان.
ثَوَابَ
مفعول به ليريد، والدنيا مضاف إليه.
فَعِندَ اللَّهِ
الفاء رابطة للجواب، عند ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، واسم الجلالة مضاف إليه.
ثَوَابُ
مبتدأ مؤخر مرفوع، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط.
وَالْآخِرَةِ
معطوف على الدنيا مجرور بكسرة مقدرة.
سَمِيعًا
خبر كان أول، و{بَصِيرًا}: خبر ثان.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
مسك ختام هذا الجزء السادس؛ يرقى بالمسلم من حضيض النظرة المادية الضيقة إلى آفاق الطموح الرباني الجامع؛ فبين أن خزائن الدارين بيد الله وحده؛ فمن أقبل على الله بكليته أصلح الله له دنياه وآخرته، ومن أعرض حرم من خيرهما.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق التوازن بين مطالب الدنيا والآخرة في الإسلام: الآية تدحض الفلسفات الرهبانية التي تحرم زينة الدنيا ومصالحها، كما تدحض المادية الإلحادية التي تقصر الحياة على الشهوات العاجلة؛ فالإسلام يوجه الإنسان لطلب "الحسنيين معاً" كقوله تعالى: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}؛ فإذا جعل المسلم الآخرة غايته ومبتغاه رزقه الله كفاية الدنيا وكرامة الآخرة، أما من طلب الدنيا وحدها نال حطاماً زائلاً وخسر الآخرة بالكلية.
أسلوب الحصر والتقديم في {فَعِندَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ}: تقديم الظرف لإفادة الاختصاص؛ أي عند الله وحده لا عند الأصنام ولا عند الشياطين ولا في غير شريعته مفاتيح الرزق والنعيم في الدارين.
التذييل بـ {سَمِيعًا بَصِيرًا}: تذكير بأن الله يسمع ما تسألون ويرى ما تبطنون من همم ومقاصد وسيجازي كل عبد على قدر نيته.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
علو الهمة في التوجه إلى الله وحده بالدعاء والرغبة وطلب الفردوس الأعلى وسعة الرزق الحلال في الدنيا.
تجريد النية من التعلق العاجل بحطام الدنيا والمناصب الفانية، والحرص على أن تكون الآخرة هي البوصلة الكبرى للحياة.
سورة النساء: التفسير التحليلي - الجزء السابع (الآيات ١٣٥ - ١٥٢)