أجمع القراء العشرة على مد همزة ﴿وَآتُوا﴾ فعل أمر من الإيتاء، وإسكان ياء ﴿الْيَتَامَىٰ﴾ مقصورة، وضم حاء ﴿حُوبًا﴾ منونة بالنصب خبراً لـ كان، وقرأ الحسن البصري في الشواذ بفتح الحاء (حَوْباً) وهما لغتان فصيحتان في الإثم والذنب كالضُّعف والضَّعف (حجة القراءات لابن خالويه، ص١١٨؛ النشر، ج٢، ص٢٥٩).
أسباب النزول وسياق الأثر:
كبح أطماع الأولياء والأوصياء في أموال اليتامى بعد معركة أحد؛ حيث استشهد كثير من الآباء وخلفوا أطفالاً صغاراً وأموالاً، وكان بعض الأولياء يعمد إلى الشاة السمينة لليتيم فيأخذها ويبدلها بشاة هزيلة من غنمه، أو يأخذ الدرهم الجيد ويبدله بالزائف، ويخلط مال اليتيم بماله ليستهلكه.
أخرج ابن أبي حاتم وابن جرير الطبري (ج٦، ص٣٥٥)مصدر غير محدد٦/٣٥٥ عن سعيد بن جبير ومجاهد قالا: "كان الرجل يكون عنده مال اليتيم، فيأخذ الشاة الجيدة من مال اليتيم ويجعل مكانها الشاة الرديئة ويقول: شاة بشاة، ويأخذ الدرهم الجيد ويجعل مكانه درهماً رديئاً ويقول: درهم بدرهم! فأنزل الله زاجراً عن ذلك: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ﴾".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
اليتامى
جمع يتيم؛ وهو من مات أبوه وهو دون البلوغ من بني آدم؛ وأطلق عليهم اسم اليتامى هنا باعتبار ما كانوا عليه؛ لأن الإيتاء الحقيقي للأموال يكون بعد البلوغ والرشد.
لا تتبدلوا الخبيث بالطيب
لا تستبدلوا الحرام المحرم من أموال اليتامى (الخبيث) بالحلال الطيب من أموالكم.
إلى أموالكم
مضمومة ومخلوطة بأموالكم؛ ضمن الفعل (تأكلوا) معنى (تضموا وتجمعوا).
الحُوب
الذنب والإثم العظيم القبيح؛ مأخوذ من حاب الرجل يحوب حوباً إذا أثم وتجرأ على المحرمات.
وَآتُوا الْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ
آتوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل، اليتامى مفعول أول منصوب بفتحة مقدرة، أموالهم مفعول ثانٍ والهاء مضاف إليه.
وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ
لا ناهية جازمة، تتبدلوا مضارع مجزوم بحذف النون والواو فاعل، الخبيث مفعول به، بالطيب جار ومجرور والباء للمتروك والبديل.
معطوف على ما قبله، إلى أموالكم متعلق بتأكلوا لتضمنه معنى تضموا.
إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا
إن واسمها، كان ناقص واسمها مستتر، حوباً خبر كان، كبيراً نعت لحوباً، والجملة خبر إن.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع الانتقال التشريعي بعد فاتحة السورة! فبعد أن قرر في الآية الأولى تقوى الأرحام والرقابة الإلهية، بدأ مباشرة بحماية أضعف حلقة في المجتمع الإنساني وهم (اليتامى الذين فقدوا الأب الكافل)؛ فأمر بإعطائهم حقوقهم كاملة دون تأخير، وحرم ثلاث جنايات خبيثة يمارسها الأوصياء الخونة:
الأولى: تأخير تسليم المال أو منعه بالكلية: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ﴾.
قد يثار إشكال لغوي وفقهي: كيف يأمر بإيتاء اليتامى أموالهم، واليتيم غير مكلف ولا يُسلم إليه ماله حال صغره إجماعاً؟
والتحقيق البياني والأصولي: أن التعبير بـ ﴿الْيَتَامَىٰ﴾ هنا مجاز مرسل علاقته "اعتبار ما كان"؛ أي آتوا الذين كانوا يتامى أموالهم إذا بلغوا ورشدوا؛ وفائدة هذا المجاز استعطاف قلوب الأوصياء وتذكيرهم بضعفهم السابق ليحثهم على سرعة تسليم الأمانة وعدم التلكؤ بعد زوال اليتم (الكشاف للزمخشري، ج١، ص٤٦٠؛ مفاتيح الغيب، ج٩، ص١٨٠).
التضمين النحوي في ﴿إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ﴾: عُدي الأكل بـ (إلى) لتضمينه معنى الضم والجمع؛ أي لا تجمعوا أموالهم إلى أموالكم وتخلطوها بوجوه الحيل لتأكلوها معاً.
التسمية بـ ﴿حُوبًا كَبِيرًا﴾: لفظ جزل ذو وقع شديد على الأسماع؛ والتحذير بالكبائر يورث القلوب وجلاً من الاقتراب من مال الضعيف.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):