فضيحة التبييت والمكر: قال ابن عباس وقتادة: يستحيون من الناس ويخافون افتضاح أمر سرقتهم وخيانتهم بين أهل المدينة، ولا يستحيون من الله ولا يخافونه وهو مطلع عليهم، يشهد خلواتهم وتبييتهم الكذب والبهتان ورمي البريء بما لم يفعل!
أخرج الطبري (ج ٩، ص ٢١٠)مصدر غير محدد٩/٢١٠ أن الآية توبخ هؤلاء المنافقين على جعل الله أهون الناظرين إليهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
يَسْتَخْفُونَ
الاستخفاء طلب الخفاء والاستتار والحياء والتواري عن أعين الناس خجلاً وخوفاً.
وَهُوَ مَعَهُمْ
المعية هنا معية العلم والإحاطة والقدرة والشهود على سرائرهم.
يُبَيِّتُونَ
يدبرون بليل في الخفاء من التهم الباطلة واليمين الفاجرة.
مُحِيطًا
الإحاطة التامة التي لا يعزب عنها مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء.
يَسْتَخْفُونَ
مضارع والواو فاعل.
وَهُوَ مَعَهُمْ
الواو حالية، هو مبتدأ، ومعهم ظرف متعلق بمحذوف خبر، والجملة في محل نصب حال.
إِذْ
ظرف زمان متعلق بمعهم أو بيستخفون.
مَا لَا يَرْضَىٰ
ما اسم موصول مفعول به ليبيتون، وجملة لا يرضى صلته.
مُحِيطًا
خبر كان منصوب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تصوير نفسي فاضح لسقوط الموازين عند المنافقين؛ حيث يعظمون نظر المخلوق الضعيف ويستترون منه، بينما يبارزون الخالق العظيم بالمعاصي والمؤامرات دون حياء ولا مراقبة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
خطورة ذنوب الخلوات ونفاق الرياء: الآية تقرر أن أصل النفاق والفساد الأخلاقي ينبع من ضعف مراقبة الله تعالى؛ فالذي يخشى الفضيحة الاجتماعية ولا يبالي بنظر الله إليه قد جعل الله أهون الناظرين إليه؛ وهذا دليل على خواء القلب من تعظيم الله وإجلاله؛ فالتقوى الحقيقية هي خشية الله في الغيب والشهادة.
الجملة الحالية المعترضة {وَهُوَ مَعَهُمْ}: صاعقة بيانية تخلع القلوب؛ فبينما هم جالسون في ظلمات بيوتهم يتآمرون ويدبرون الحيل، يذكرهم القرآن بأن الله حاضر معهم بعلمه وقدرته، يسمع همسهم ويبصر حركاتهم وسيفضح مكرهم على رؤوس الأشهاد.
التذييل بـ {مُحِيطًا}: لإشعارهم بأنهم في قبضة الله التامة ولا يملكون منفذاً للهروب من قضائه وعدله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استشعار مراقبة الله ومعيته في الخلوات والجلوات واستحضار نظره الدائم إلى القلوب والأعمال.
التحرر من داء الرياء والنفاق الاجتماعي وتطهير البواطن لتكون خيراً من الظواهر.