أجمع القراء العشرة على رفع ﴿أُولُو الْقُرْبَىٰ﴾ فاعلاً لـ (حضر) بالواو ملحقاً بجمع المذكر السالم، ونصب ﴿الْقِسْمَةَ﴾ مفعولاً به مقدماً، وكسر راء وفاء ﴿فَارْزُقُوهُم﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، وتنوين ﴿قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ بالنصب مفعولاً مطلقاً ونعتاً (التيسير للداني، ص٩٥)مصدر غير محدد٩٥.
أسباب النزول وسياق الأثر:
توجيه أخلاقي واجتماعي رفيع لتطييب خواطر الفقراء والأقارب الذين لا يرثون عند توزيع التركات؛ لئلا ينكسر خاطرهم وهم يرون الأموال تقسم بين أيديهم ويحرمون منها.
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب التفسير، باب قوله: وإذا حضر القسمة أولو القربى، رقم: ٤٥٧٦)مصدر غير محددحديث رقم ٤٥٧٦ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "إنها لمحكمة وليست بمنسوخة؛ إن ناساً يزعمون أنها نسخت، لا والله ما نسخت، ولكنها مما تهاون الناس به، هما واليان: والٍ يرث فذاك الذي يرزق (أي يرضخ لهم من التركة)، ووالٍ لا يرث (كوصي الصغار واليتامى) فذاك الذي يقول قولاً معروفاً: يقول: لا أملك هذا المال، إنما هو لهؤلاء الصغار، فلو كان لي لأعطيتكم منه".
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد والحسن البصري والشعبي: أنها وصية مستحبة يندب إليها الورثة عند اقتسام التركة برضخ شيء من المال للأقارب غير الوارثين واليتامى والمساكين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
حضر القسمة
شهد حضور قسمة التركة وتوزيع الأنصبة بين الورثة.
أولو القربى
قرابات الميت الذين لا حق لهم في الميراث (كالعمة والخالة وبني الأخ المحجوبين).
فارزقوهم منه
أعطوهم واقسموا لهم شيئاً تافهاً أو يسيراً من التركة قبل توزيعها؛ مأخوذ من الرزخ والعطاء والرضخ.
قولاً معروفاً
كلاماً جميلاً تطييباً لقلوبهم واعتذاراً رفيقاً؛ إن كانت التركة لقاصرين أو لا تحتمل الإعطاء.
وَإِذَا
الواو استئنافية، إذا ظرف شرطي غير جازم متعلق بجوابه.
حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَىٰ
حضر ماض، القسمة مفعول به مقدم، أولو فاعل مؤخر مرفوع بالواو، القربى مضاف إليه مجرور بكسرة مقدرة.
وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينُ
معطوفان على أولو مرفوعان.
فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ
الفاء رابطة لجواب الشرط، ارزقوهم أمر والواو فاعل والهاء مفعول به، منه متعلق بارزقوهم، والجملة جواب إذا.
وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا
معطوف عليه، قولاً مفعول مطلق، معروفاً نعت منصوب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
ما ألطف هذا التشريع الإنساني الرفيع في منظومة التشريع الإسلامي! فبينما يقرر القرآن الحقوق المالية القطعية الصارمة للورثة في الآية السابقة، يلتفت فوراً إلى "البعد النفسي والوجداني المحيط بمشهد القسمة"؛ فالفقراء والأيتام والقرابات المحجوبة الذين يشهدون اقتسام الذهب والفضة والأملاك تتطلع نفوسهم وتنكسر قلوبهم حسرة على فقرهم، فأمر الله الورثة الكبار أن يفيضوا عليهم من فيض تلك التركة قبل أن يستأثروا بها، فإن عجزوا عن البذل طيبوا خواطرهم بالقول الجميل؛ لتموت الأحقاد وتسود المودة في المجتمع.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
تحرير القول في "إحكام الآية وعدم نسخها":
زعم بعض الفقهاء قديماً أن هذه الآية منسوخة بآيات المواريث (الآيات ١١ و١٢)؛ والتحقيق الأصولي القطعي الذي ثبت عن حبر الأمة ابن عباس رضي الله عنهما: "أن الآية محكمة قطعية غير منسوخة"؛ إذ النسخ لا يصار إليه إلا عند تعذر الجمع، والجمع هنا حاصل بأبهى صوره:
وهذه الآية تحدد "أدباً اجتماعياً وندباً مستحباً أو واجباً على الكبار عند حضور القسمة"؛ لإعطاء هؤلاء المحرومين شيئاً يسيراً من فضول المال، أو معاملتهم بالقول المعروف إن كان المال ليتامى صغار؛ فبقي الحكم سارياً يمثل قمة الرقي الأخلاقي (تفسير ابن كثير، ج٢، ص١٥٥؛ جامع البيان للطبري، ج٦، ص٤١٥).
البعد البياني والبلاغي والإشاري والتدبري
الجمع بين (العطاء المادي) و(الإحسان القولي): ﴿فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾؛ فالإحسان لا يكتمل إلا باجتماع اليد المعطية واللسان العذب، حتى لا يُتبع العطاء بالمن أو الأذى.
التنكير في (قولاً معروفاً): للدلالة على حسن الكلام واللطف وجميل الدعاء والاعتذار الذي يجبر كسر الخواطر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
إحياء هذه السنة المتروكة عند قسمة التركات؛ بإعطاء الأقارب المحجوبين والفقراء الحاضرين شيئاً من التركة تطييباً لنفوسهم وبركة للمال.
مراعاة مشاعر الفقراء والمستضعفين في كل موطن تظهر فيه مظاهر النعمة والثرة.