وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
الوعيد المزلزل لقاتل المؤمن عمداً:
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب التفسير، باب قوله: {ومن يقتل مؤمناً متعمداً}، رقم ٤٥٩٠)مصدر غير محددحديث رقم ٤٥٩٠ ومسلم (رقم ٣٠٢٣)مصدر غير محددحديث رقم ٣٠٢٣ عن سعيد بن جبير قال: اختلف أهل الكوفة في هذه الآية، فرحلت فيها إلى ابن عباس فسألته عنها، فقال ابن عباس: «نزلت هذه الآية في سورة النساء هي آخر ما نزل، ما نسخها شيء، جزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً». وكان ابن عباس يرى في إحدى الروايتين عنه تشديداً وزجراً أنه لا توبة لقاتل المؤمن عمداً.
ومذهب جماهير الصحابة والتابعين وأئمة أهل السنة والجماعة (كعمر وابن مسعود وعائشة والشافعي وأحمد وأبي حنيفة ومالك) أن للقاتل عمداً توبة بينه وبين الله تعالى إن تاب وأناب وأسلم نفسه للقصاص أو الدية واستغفر ربه؛ لعموم قوله تعالى في سورة الفرقان: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ... إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا}، ولقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ}.
أخرج البخاري (رقم ٦٨٦٢)مصدر غير محددحديث رقم ٦٨٦٢ عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً».
أخرج النسائي والترمذي وصححه الألباني عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
مُّتَعَمِّدًا
القصد الجازم لقتل شخص معصوم بما يقتل غالباً بسلاح أو ما يقوم مقامه عن سابق إصرار وبغي.
خَالِدًا فِيهَا
الخلود هنا المكث الطويل المستمر إن لم يستحل القتل؛ فإن استحله كفر وخلد أبداً.
الفاء رابطة للجواب، جزاؤه مبتدأ، وجهنم خبره، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
خَالِدًا
حال منصوبة من الضمير في جزاؤه أو المفعول.
وَغَضِبَ
أفعال ماضية معطوفة تفيد تحقق الوقوع وثبوته.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التقابل التشريعي الصارم؛ فبعد أن بين حكم القتل الخطأ ورتب عليه الكفارة والدية والتخفيف، جاءت هذه الصاعقة الإلهية في حق القاتل عمداً بغير حق؛ لتردع كل من تسول له نفسه استباحة الدماء المعصومة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
التوفيق بين وعيد الآية وقواعد التوبة والمشيئة:
١. بيان أهل السنة في قوله {فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ}: أن هذا هو الجزاء المستحق للجريمة ومقتضى العدل لو عاقبه الله ولم يعف عنه؛ ولكن قد يعفو الله عنه بفضله أو بمشيئته أو بتوبته الصادقة، أو بمصائبه وكفاراته؛ فالوعيد معلق بعدم المانع والعفو.
٢. حقوق القتل ثلاثة: "حق الله" ويسقط بالتوبة الصادقة والندم، و"حق أولياء الدم" ويسقط باستيفاء القصاص أو أخذ الدية أو العفو التام، و"حق المقتول" في دمه ومظلمته وهو باق يعوضه الله في القيامة إن صحت توبة القاتل ويرضيه من فضله، أو يقتص له من حسنات القاتل.
تراكم العقوبات الخمس المزلزلة: اجتمع في الآية خمس عقوبات لم تجتمع لكبيرة دون الشرك: جهنم، الخلود، الغضب الإلهي، اللعنة، العذاب العظيم؛ تصويراً لفداحة هذه الجريمة النكراء التي تهدم بنيان الله في الأرض.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الارتداع التام عن دماء المسلمين وصيانة النفوس من نزغات الغضب والشيطان.
غرس حرمة الحياة الإنسانية في وعي الأجيال، والتأكيد على أن سفك الدم الحرام يقود إلى الخسران المبين.