وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
سبب النزول والنسخ: أخرج البخاري في صحيحه (كتاب التفسير، باب قوله: {ولكل جعلنا موالي}، رقم ٤٥٨٠)مصدر غير محددحديث رقم ٤٥٨٠ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «{وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ}: ورثة. {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ}: كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجريُّ الأنصاريَّ دون قرابته للأخوة التي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم، فلما نزلت: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} نسخت، ثم قال: {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} من النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث ويوصى له».
وقرأ الباقون: {عَاقَدَتْ} بألف بعد العين على صيغة المفاعلة للمبالغة والاشتراك بين الحليفين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
مَوَالِيَ
الموالي جمع مولى، والمراد بهم هنا العصبة والورثة وأصحاب الفرائض الذين يلون الميت ويرثون تركته.
عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ
الحلف والمؤاخاة التي تمت بالأيدي والأيمان المؤكدة.
نَصِيبَهُمْ
النصيب من النصرة والمواساة والمعونة، أو الوصية التي لا تتجاوز الثلث بعد نسخ الميراث بالحلف.
وَلِكُلٍّ
الواو استئنافية، لكل جار ومجرور متعلق بجعلنا والتنوين تنوين عوض عن مضاف إليه محذوف (أي ولكل إنسان أو تركة).
جَعَلْنَا
فعل وفاعل.
مَوَالِيَ
مفعول به منصوب بالفتحة بلا تنوين لأنه ممنوع من الصرف على صيغة منتهى الجموع.
وَالَّذِينَ
مبتدأ في محل رفع، وجملة {فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} خبره ودخلت الفاء لما في الموصول من شبه الشرط.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
بعد أن نهى عن التمني الباطل وتفضيل بعضهم على بعض، عاد لتأكيد نظام المواريث المحكم؛ فبين أن لكل تركة ورثة شرعيين جعلهم الله مستحقين لها بالقرابة والأصل، وقضى على التوارث بالحلف والأخوة الاستثنائية مع إبقاء حقوق الوفاء والنصرة والصلة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حكمة نسخ التوارث بالمؤاخاة والحلف: كان التوارث بالهجرة والمؤاخاة في بدء الهجرة ضرورة لربط مجتمع المدينة وتأليف القلوب ومواساة المهاجرين الذين تركوا أموالهم وديارهم بمكة؛ فلما استقر الإسلام وتمكن الإيمان وتوسعت الفتوحات، رد الله المواريث إلى أصحاب القرابة والأرحام ({وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ})؛ مما يدل على حكمة التدرج التشريعي ومرونته في معالجة الظروف الاستثنائية دون مساس بالثوابت المستقرة.
التنكير والإيجاز في {وَلِكُلٍّ}: حذف المضاف إليه وتنوين الكلمة يدل على الإحاطة والاستغراق؛ فكل إنسان يترك مالاً قد قدر الله له ورثته بمقتضى الحق والميزان العادل.
التذييل بـ {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا}: رقابة مطلقة على الأيمان والمواثيق والتركات وتقسيم الأموال؛ فلا مجال للغدر أو نقض العهود.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):