أجمع القراء العشرة على إسكان ياء ﴿الْيَتَامَىٰ﴾، وفتح همزة ﴿آنَسْتُم﴾ ومدها ماضياً من الإيناس وهو الإبصار والمعرفة، وتنوين ﴿رُشْدًا﴾ بالفتح مفعولاً به، ونصب ﴿إِسْرَافًا وَبِدَارًا﴾ مفعولاً لأجله أو حالاً، وجزم فاء ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ ولام ﴿فَلْيَأْكُلْ﴾ بلام الأمر، وتسكين باء ﴿حَسِيبًا﴾ وتنوينها بالفتح حالاً أو تمييزاً (النشر في القراءات العشر، ج٢، ص٢٦٠؛ التيسير، ص٩٥).
أسباب النزول وسياق الأثر:
وضع المعايير والضوابط العملية الدقيقة لاختبار كفاءة اليتيم وتوقيت تسليم أمواله، وبيان حدود حق الولي في أكل شيء من مال اليتيم مقابل رعايته له.
أخرج ابن أبي حاتم وابن جرير الطبري (ج٦، ص٣٩٠)مصدر غير محدد٦/٣٩٠ عن ابن عباس ومجاهد قالا: نزلت في ثابت بن رفاعة وعمه؛ حيث توفي رفاعة وترك ابنه ثابتاً صغيراً وأموالاً عند عمه، فجاء عمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن ابن أخي يتيم في حجري فما يحل لي من ماله ومتى أدفع إليه ماله؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ...﴾.
وأخرج الإمام أحمد في المسند (رقم: ٦٦٧٤)مصدر غير محددحديث رقم ٦٦٧٤ وأبو داود (رقم: ٢٨٧٢)مصدر غير محددحديث رقم ٢٨٧٢ والنسائي (رقم: ٣٦٦٨)مصدر غير محددحديث رقم ٣٦٦٨ وحسنه الحاكم والذهبي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني فقير ليس لي شيء ولي يتيم، فقال: "كُلْ من مال يتيمك غير مسرف ولا مبادر ولا متأثل مالاً".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
وابتلوا اليتامى
اختبروهم ودربوهم تدريجياً على التجارة والبيع والشراء ومعرفة الأسعار وصيانة الأموال قبل البلوغ.
بلغوا النكاح
بلغوا سن الاحتلام أو سن البلوغ الشرعي المعتبر (خمس عشرة سنة عند جمهور الفقهاء).
آنستم منهم رشداً
أبصرتم وعلمتم منهم صلاحاً في دينهم ورشداً وحسن تصرف في أموالهم؛ مأخوذ من آنس النار إذا أبصرها بوضوح.
بداراً أن يكبروا
مسارعة ومبادرة إلى أكل أموالهم خوفاً من أن يكبر اليتيم فينتزع ماله من أيديهم.
فليستعفف
فليمتنع عن أخذ شيء من مال اليتيم بالكلية طلباً للعفة وعملاً بالأجر.
فليأكل بالمعروف
يأخذ بقدر أجرته وعمله أو بقدر حاجته وسد رمقه دون زيادة.
فأشهدوا عليهم
أشهدوا العدول والشهود على تسليمهم الأموال قطعاً للخصومة وتوثيقاً للبراءة.
وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ
الواو عاطفة، ابتلوا أمر والواو فاعل، اليتامى مفعول به منصوب بفتحة مقدرة.
حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ
حتى حرف غاية وابتداء، إذا ظرف شرطي، بلغوا النكاح فعل وفاعل ومفعول به.
فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا
الفاء رابطة، إن شرطية جازمة، آنستم ماض وفاعله في محل جزم، منهم متعلق بآنستم، رشداً مفعول به.
فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ
الفاء رابطة لجواب الشرط، ادفعوا أمر والواو فاعل، إليهم متعلق بادفعوا، أموالهم مفعول به، والجملة جواب الشرط.
وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا
لا ناهية جازمة، تأكلوها مضارع مجزوم بحذف النون والهاء مفعول به، إسرافاً حال أو مفعول لأجله، وبداراً معطوف عليه.
أَن يَكْبَرُوا
المصدر المؤول في محل جر بحرف جر محذوف متعلق بـ بداراً؛ أي مبادرة لكبرهم.
وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ
من اسم شرط جازم مبتدأ، كان ناقص واسمها مستتر، غنياً خبر كان، الفاء رابطة، فليستعفف مضارع مجزوم بلام الأمر وجملته جواب الشرط.
كفى ماض، الباء حرف جر زائد، لفظ الجلالة مجرور لفظاً مرفوع محلاً فاعل كفى، حسيباً تمييز منصوب أو حال؛ أي كفى به محاسباً ومجازياً وعليماً بكل سر وعلانية.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص القرآني يمثل قمة التشريع الحقوقي والمؤسسي في إدارة أموال القاصرين؛ فرسم خريطة طريق متكاملة تنقل اليتيم من مرحلة الوصاية إلى مرحلة الرشد والاستقلال:
المرحلة الأولى: التدريب والاختبار المستمر (الابتلاء) في البيع والشراء في مرحلة التمييز.
المرحلة الثانية: بلوغ السن القانوني والشرعي: ﴿بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾.
المرحلة الثالثة: التحقق من وجود "الرشد المالي والديني": ﴿فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا﴾؛ فلا يكفي مجرد البلوغ الجسدي بل لا بد من حسن التدبير.
المرحلة الرابعة: التسليم الفوري للأموال دون تأخير مع الإشهاد الرسمي الموثق قطعاً للتهم والنزاع.
مع وضع قانون صارم لأتعاب الوصي: فالغني يتعفف محتسباً، والفقير يأكل بالمعروف مقابل أجر عمله ورعايته.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حكم ما يأكله الولي الفقير من مال اليتيم بالمعروف: هل هو منحة أم قرض واجب الرد؟:
اختلف الفقهاء في قوله تعالى: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ على قولين مشهورين:
القول الأول (قول عمر وابن عباس والشعبي وأبي حنيفة): أنه قرض يثبت في ذمة الولي الفقير، فإذا أيسر وأغناه الله وجب عليه رده إلى مال اليتيم.
القول الثاني (قول عائشة والحسن وعطاء والشافعي وأحمد): أنه أجر عمله ونفقته بالمعروف لا قضاء عليه فيه؛ لأنه يأكل عوضاً عن قيامه بحفظ مال اليتيم ورعايته، والأجير يستحق أجرته عرفاً إذا حبس نفسه للمصلحة. وهذا القول الثاني هو الأرجح والأوفق لظاهر الآية ولفظ الحديث: "غير متأثل مالاً ولا مسرف" (مجموع الفتاوى لابن تيمية، ج٣٠، ص١٠٥؛ المغني لابن قدامة، ج٦، ص٦٥٠).
التعبير بـ ﴿آنَسْتُم﴾ دون (علمتم): مأخوذ من الإيناس وهو إبصار الشيء الظاهر الذي يؤنس القلب ويزيل وحشة الشك؛ دلالة على وجوب وضوح وظهور أمارات الرشد كالشمس قبل تسليم الأموال.
التحذير النفسي البديع: ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ... وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا﴾؛ فضح لدواخل النفوس الخبيثة التي تسارع إلى نهب المال قبل أن يكبر الصغير فيسترجعه.