وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
سبب النزول ومسألة السبايا: أخرج مسلم في صحيحه (كتاب الرضاع، باب جواز نكاح الثيب وسبي المرأة، رقم ١٤٥٦)مصدر غير محددحديث رقم ١٤٥٦ عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث جيشاً إلى أوطاس، فلقي عدواً فقاتلوهم فظهروا عليهم وأصابوا لهم سبايا، فكان ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين، فأنزل الله عز وجل: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}، أي فهن حلال لكم إذا انقضت عدتهن (استبراؤهن بحيضة)».
وقرأ الحرميان وأبو عمرو وابن عامر ويعقوب: {وَأَحَلَّ لَكُم} بفتح الهمزة والحاء مبنياً للفاعل (أي الله تعالى).
التحقيق في آية {فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ} ونسخ نكاح المتعة: أخرج مسلم في صحيحه (كتاب النكاح، باب نكاح المتعة، رقم ١٤٠٧)مصدر غير محددحديث رقم ١٤٠٧ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الإنسية». وأخرج مسلم (رقم ١٤٠٦)مصدر غير محددحديث رقم ١٤٠٦ عن سبرة الجهني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس، إني قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة». وأجمع أئمة أهل السنة والجماعة والمذاهب الأربعة على أن نكاح المتعة منسوخ ومحرم تحريماً أبدياً، وأن الآية تعني: فما تلذذتم واستمتعتم به منهن بالدخول في النكاح الشرعي الصحيح المؤبد فآتوهن مهورهن المقدرة فريضة واجبة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
الْمُحْصَنَاتُ
ذوات الأزواج؛ سُميت المحصنة محصنة لأن الزوج أحصنها ومنعها من غيره.
مُحْصِنِينَ
الإحصان هنا العفة وطلب النكاح الحلال المستقر الدائم.
غَيْرَ مُسَافِحِينَ
السفاح هو الزنا وسفك ماء الشهوة في الحرام من غير عقد شرعي ولا قصد ولد، مأخوذ من سفح الماء إذا صبه هدراً.
أُجُورَهُنَّ
مهورهن وصداقهن؛ وسمي المهر أجراً لأنه عوض عن البضع الحلال.
وَالْمُحْصَنَاتُ
معطوف على المحرمات في الآية السابقة في محل رفع نائب فاعل.
إِلَّا مَا مَلَكَتْ
إلا أداة استثناء، "ما" اسم موصول في محل نصب على الاستثناء المنقطع.
كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ
كتاب مفعول مطلق لفعل محذوف، أي: كتب الله ذلك عليكم كتاباً وألزمه إلزاماً، أو منصوب على الإغراء.
أَن تَبْتَغُوا
مصدر مؤول في محل نصب مفعول به لأجل، أو بدل من ما في قوله {مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
بعد أن بين الله المحرمات على التأبيد، والمحرمات جمعاً، والمحرمات لمانع الزوجية السارية، ختم ذلك بالقاعدة العامة في الحل: {وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ}، فكان هذا التشريع من أروع صور تنظيم العلاقات الزوجية وضبط المجتمع الإنساني.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
دفع شبهة نكاح المتعة وبيان بطلان نسبته للإسلام المستقر: زعم أهل البدع استمرار إباحة نكاح المتعة استناداً إلى ظاهر لفظ {فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ} وقراءة منسوبة لابن عباس؛ وقد بين الرازي والقرطبي وابن كثير أن القرآن يفسر بعضه بعضاً والسنة قاضية مبينة؛ فالاستمتاع هو النكاح الدائم المؤبد؛ بدليل اشتراط الإحصان ونفي السفاح، والمستمتع بها مؤقتاً ليست زوجة ترث وتورث ولا محصنة بأحكام الطلاق والعدة والنفقة والإرث بإجماع الأمة. وقد صح رجوع ابن عباس رضي الله عنهما لما بلغه نهي النبي صلى الله عليه وسلم المؤبد في حجة الوداع.
المقابلة البليغة بين الإحصان والسفاح: المقابلة بين {مُّحْصِنِينَ} و{غَيْرَ مُسَافِحِينَ} تحدد المقصد القرآني الأسنى من النكاح؛ وهو بناء الحصن الاجتماعي والأخلاقي وحفظ النسل، وليس مجرد إفراغ الشهوة كما تصنع البهائم.
الجملة الاعتراضية المؤكدة: {كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} تضفي هيبة بالغة على تلك الأحكام؛ وأنها وحي ملزم وفرض رباني حاسم لا يقبل التبديل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
وجوب أداء المهور كاملة دون مماطلة، والتحذير من هضم حق المرأة أو الاستهانة بعقدها.
ترسيخ مفهوم العفة والإحصان كغاية عليا لكل زواج إسلامي راشد.