فتح باب التوبة حتى للخونة والمذنبين: أخرج الطبري (ج ٩، ص ٢٢٥)مصدر غير محدد٩/٢٢٥ وابن أبي حاتم عن ابن عباس ومجاهد وقتادة قالوا: لما فضح الله بني أبيرق وكشف خيانتهم في الآيات السابقة، فتح لهم ولجميع العصاة باب التوبة والرجوع؛ فبين سبحانه أنه لو تاب طعمة وإخوته واستغفروا الله وردوا السلاح والمال إلى رفاعة لغفر الله لهم وتجاوز عنهم؛ فالرحمة الإلهية معروضة لكل تائب قبل الموت.
أخرج أحمد في مسنده (رقم ٤٧)مصدر غير محددحديث رقم ٤٧، وأبو داود (رقم ١٥٢١)مصدر غير محددحديث رقم ١٥٢١، والترمذي (رقم ٤٠٦)مصدر غير محددحديث رقم ٤٠٦ وصححه، والنسائي وابن ماجه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: حدثني أبو بكر الصديق وصدق أبو بكر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من عبد يذنب ذنباً، فيحسن الطهور، ثم يقوم فيصلي ركعتين، ثم يستغفر الله إلا غفر الله له»، ثم قرأ هذه الآية: {وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
سُوءًا
السوء ما يسوء الغير من التعدي على أموالهم وأعراضهم بالسرقة والبهتان والظلم.
يَظْلِمْ نَفْسَهُ
بارتكاب المعاصي والذنوب والشرك والنفاق فيما بينه وبين ربه دون تعدٍ على غيره.
يَجِدِ اللَّهَ
الوجدان هنا وجدان علمي وتحقيقي لآثار رحمته ومغفرته.
وَمَن
اسم شرط جازم مبتدأ، يعمل فعل الشرط مجزوم، و{سُوءًا}: مفعول به.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
من أعظم معالم الرحمة والعدل في المنهج القرآني؛ فبعد التقريع الشديد والوعيد المزلزل بالقيامة، فتح القرآن نافذة التوبة العاجلة، ليؤكد أن الشريعة لا تستهدف الانتقام من المذنب بل تسعى لاستنقاذه وتطهيره إن أناب واستغفر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الفرق بين السوء وظلم النفس وحقيقة التوبة المقبولة: بين أئمة السنة أن السوء يعم التعدي على حقوق العباد، وظلم النفس يعم التفريط في حقوق الله؛ والاستغفار المقبول هو المقترن بالإقلاع والندم والعزم على عدم العودة ورد المظالم والحقوق إلى أهلها؛ فمن سرق أو افترى لا يكفيه مجرد قول "أستغفر الله" بلسانه مع بقاء أموال الناس في يده، بل لا بد من رد الحقوق لأصحابها لتكتمل التوبة.
التعميم بأسلوب الشرط {وَمَن يَعْمَلْ}: صيغة شرطية عامة تشمل كل إنسان من لدن آدم إلى قيام الساعة؛ لتبديد أي يأس أو قنوط في نفوس المذنبين والمفرطين.
التعبير بـ {يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا}: تصوير رائع لحقيقة القرب الإلهي؛ فالمستغفر التائب لا يجد أبواباً مغلقة ولا سدوداً، بل يجد ربه غفوراً رحيماً يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المبادرة إلى التوبة والاستغفار وصلاة التوبة ركعتين عند مقاربة أي ذنب أو خطيئة.
رد المظالم والحقوق إلى أهلها والتحلل منها قبل يوم القيامة.