سبب النزول: أخرج ابن جرير الطبري (ج ٨، ص ٥٢٠-٥٢٨)مصدر غير محدد٨/٥٢٠ وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان بين رجل من المنافقين (يقال له بشر) ورجل من اليهود خصومة، فقال اليهودي: انطلق بنا إلى محمد (لعلمه أنه لا يقبل الرشوة ويقضي بالحق)، وقال المنافق: بل نأتي كعب بن الأشرف (لأنه كان يعلم أنه يرتشي)، فنزلت: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ}». وروي أيضاً أنها نزلت في خصومة بين رجلين تحاكما إلى كاهن في جهينة.
تفسير الطاغوت في الآية: قال مجاهد وابن تيمية وابن القيم: الطاغوت هنا يعم كل من حَكم بغير ما أنزل الله من كاهن أو حاكم وضعي أو رئيس ضلالة يصرف الناس عن تحكيم كتاب الله وسنة رسوله.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
يَزْعُمُونَ
الزعم هو القول الذي لا أصل له ولا حقيقة تصدقه، والغالب استعماله في الادعاء الكاذب.
يَتَحَاكَمُوا
تفاعل من الحكم، وهو طلب القضاء والفصل في الخصومات بين المتنازعين.
الطَّاغُوتِ
كل متجاوز لحكم الله متسلط على شرعه.
ضَلَالًا بَعِيدًا
انحرافاً شاسعاً عن الحق يعسر الرجوع منه.
أَلَمْ تَرَ
الهمزة للتعجيب والإنكار، وترَ مضارع مجزوم بحذف حرف العلة.
يَزْعُمُونَ
مضارع مرفوع بثبوت النون، والجملة صلة الموصول.
أَن يَتَحَاكَمُوا
مصدر مؤول مفعول به ليريدون.
وَقَدْ أُمِرُوا
الواو حالية، قد حرف تحقيق، أمروا فعل ماض مبني للمجهول والواو نائب فاعل، والجملة حالية.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
اتصال وثيق بالآية السابقة؛ فبعد أن أوجب الله رد التنازع إلى الله والرسول ({فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ})، عجب نبيه والمؤمنين من سلوك المنافقين الذين يدعون الإيمان بألسنتهم ثم يفرون من حكم الشريعة ليتحاكموا إلى حكام الجاهلية وقوانين الطاغوت.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حقيقة الإيمان وشرطية التحكيم الشرعي: الآية تبطل الجمع بين الإيمان الحقيقي وبين الرضا بالتحاكم إلى غير شرع الله؛ فالتعبير بـ {يَزْعُمُونَ} نفي لصحة إيمانهم المدعى؛ لأن الإيمان ليس مجرد كلمة تقال باللسان، بل هو انقياد وتسليم، فمن طلب حكماً يناقض حكم الله ورسوله فقد عطل مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، واتبع خطوات الشيطان الذي يقوده إلى الضلال البعيد.