سبب النزول وتواضع المسيح والملائكة في عبودية الله:
أخرج الطبري (ج ٩، ص ٤٩٧-٥٠٣)مصدر غير محدد٩/٤٩٧ وابن أبي حاتم وابن كثير عن قتادة والكلبي: لما نزل القرآن بإنكار ألوهية المسيح وأنكرت النصارى عبوديته؛ بيّن الله تعالى أن المسيح نفسه لا يستنكف ولا يأنف ولا يتكبر أن يكون عبداً لله خاضعاً لأمره مصلياً خاشعاً، وكذلك أشرف الخلق من الملائكة المقربين كجبريل وميكائيل وحملة العرش لا يستكبرون عن طاعته.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «الاستنكاف هو الاستكبار والأنفة والحمية، وكل عباد الله خاضعون لعظمته راغبون في رحمته».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
يَسْتَنكِفَ
النَّكَف في كلام العرب: التنحي والامتناع عن الشيء أنفةً وتكبراً؛ واستنكف من الأمر: استكبر عنه وأنِف منه وعدّه نقيصة تحط من قدره.
الْمُقَرَّبُونَ
الملائكة ذوو المنزلة العليا والكرامة المقربون من عرش الرحمن.
لَّن
حرف نفي ونصب واستقبال.
يَسْتَنكِفَ
مضارع منصوب بالفتحة الظاهرة.
الْمَسِيحُ
فاعل مرفوع بالضمة.
أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ
أن وما بعدها في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض (عن أن يكون)، ويكون فعل مضارع ناقص واسمه ضمير مستتر، وعبداً خبره، ولله متعلق بمحذوف نعت لعبداً.
وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ
لا لتأكيد النفي، والملائكة معطوف على المسيح مرفوع، والمقربون نعت مرفوع بالواو.
وَمَن يَسْتَنكِفْ
من اسم شرط جازم مبتدأ، يستنكف فعل الشرط مجزوم، وعن عبادته متعلق بيستنكف.
وَيَسْتَكْبِرْ
معطوف على يستنكف مجزوم.
فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا
الفاء رابطة لجواب الشرط، السين للتنفيس وتحقيق الوعيد، يحشر مضارع والفاعل هو الله وهم مفعول به، وإليه متعلق بيحشر، وجميعاً حال منصوبة؛ والجملة في محل جزم جواب الشرط.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الارتقاء البلاغي من الأدنى إلى الأعلى في مقام العبودية:
بعد أن نفى في الآية السابقة ألوهية المسيح؛ قرر هنا حقيقة موقفه الذاتي؛ فالمسيح ليس فقط ليس إلهاً، بل هو عبد محب للعبودية راضٍ بها لا يأنف منها؛ ثم ارتقى بالنظم إلى من هو أعظم خلقاً وأقوى تجرداً عن الماديات وهم {الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ}؛ فإذا كان هؤلاء المقربون لا يستنكفون عن عبادة الله، فكيف يُدعى المخلوق البشري إلهاً؟!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة المفاضلة بين الملائكة والبشر ودلالة "ولا الملائكة المقربون":
يدفع الإشكال: استدل بعضهم بعطف الملائكة المقربين على تفضيل الملائكة على المسيح، ولكن المحققين -كابن تيمية في "منهاج السنة" والرازي- أوضحوا النكتة البلاغية:
عطف الملائكة المقربين هنا جاء من باب "رد الغلو بما هو أبعد في وهم المشركين"؛ لأن المشركين عبدوا الملائكة وزعموا أنهم بنات الله، والنصارى عبدوا المسيح وزعموا أنه ابن الله؛ فجمع القرآن الصنفين ليبين أن أعظم المخلوقات قدراً وروحانية متذللون خاضعون في محراب العبودية لله، فبطلت عبادة كل مخلوق دونه سبحانه.
شرف العبودية لله في التعبير القرآني: إثبات العبودية لله تعالى ليس نقيصة بل هو أوج الكمال الإنساني والملائكي؛ واستعمال {لَّن} لنفي الاستنكاف تأبيداً ونفياً باتّاً مستغرقاً للماضي والحاضر والمستقبل؛ والختام بـ {فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا} تهديد يخلع القلوب لكل مستكبر عن الخضوع لربه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاعتزاز المطلق بشرف العبودية والافتقار إلى الله جل وعلا، فالعزة الحقيقية في التذلل لعظمته.
الحذر من أمراض الكبر والأنفة من الانقياد لأوامر الشرع، فإن الحشر والموقف بين يدي الديان حتمي لا مفر منه.