سبب النزول وقصة ضمرة بن جندب رضي الله عنه: أخرج أبو يعلى الموصلي في مسنده، وابن جرير الطبري (ج ٩، ص ١١٠-١٢٠)مصدر غير محدد٩/١١٠، وابن أبي حاتم، وابن منده، والحاكم وصححه، وابن حجر في الإصابة، عن ابن عباس وسعيد بن جبير قالا: لما نزلت آية الوعيد في ترك الهجرة، سمعها رجل من بني ليث أو خزاعة يقال له جندع بن ضمرة (أو ضمرة بن جندب الجندعي) وكان شيخاً كبيراً مريضاً بمكة، فقال لبنيه: «احملوني، فوالله لا أبيت الليلة بمكة، فإني لست من المستضعفين، وإني لأهتدي الطريق»، فحملوه على فراش يريد المدينة، فلما بلغ التنعيم (أو فج الروحاء) أدركه الموت، فلما أحس به صفق بيمينه على شماله وقال: «اللهم هذه لك، وهذه لرسولك، بايعتك على ما بايعك عليه رسولك»، ثم مات رحمه الله، فبلغ خبره الصحابة فقال بعضهم: لو وصل إلى المدينة لكان أتم لأجره، فأنزل الله تعالى: {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ}.
أخرج البخاري (رقم ١)مصدر غير محددحديث رقم ١ ومسلم (رقم ١٩٠٧)مصدر غير محددحديث رقم ١٩٠٧ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى؛ فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
مُرَاغَمًا
المراغم في اللغة المتحول والمذهب والملجأ والملاذ، وأصله من الرغام وهو التراب؛ وراغم فلان قومه إذا فارقهم وناوأهم حتى يرغم أنوفهم بالظفر والعزة والتمكين في مكان آخر.
وَسَعَةً
سعة في الرزق، وسعة في الدين وانشراح الصدر، وسعة من الضيق والاضطهاد.
وَقَعَ أَجْرُهُ
وجب وثبت واستقر ثوابه عند الله كرم وفضلاً لا مرية فيه.
وَمَن يُهَاجِرْ
اسم شرط جازم مبتدأ، يهاجر فعل الشرط، و{يَجِدْ}: جواب الشرط مجزوم.
مُرَاغَمًا
مفعول به ليجد، و{كَثِيرًا}: نعت منصوب، و{وَسَعَةً}: معطوف.
وَمَن يَخْرُجْ
شرط ثان معطوف.
مُهَاجِرًا
حال منصوبة من فاعل يخرج.
ثُمَّ يُدْرِكْهُ
معطوف على يخرج مجزوم، والهاء مفعول به، و{الْمَوْتُ}: فاعل.
فَقَدْ وَقَعَ
الفاء رابطة للجواب، قد حرف تحقيق، وقع فعل ماض، وأجره فاعل، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
أعظم محفز وبشارة إلهية للهجرة والمفارقة؛ فبعد أن هدد القاعدين وعذر العاجزين، فتح للمترددين والمتخوفين من الفقر والغربة باب الأمان والوعد المطلق: إنكم إن هاجرتم لن تجدوا ضياعاً ولا ذلاً، بل عزة وإرغاماً لأنوف أعدائكم وسعة في أرزاقكم، وإن متتم في الطريق فالأجر الكامل مضمون عند الله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
قانون النية الصادقة واستحقاق الأجر بالبدء في الطاعة: الآية تقرر أصلاً عقدياً وتربوياً باهراً: "من همّ بحسنة وباشر أسبابها ثم مات دون إتمامها كتب الله له أجرها كاملاً"؛ فالعبرة عند الله بالصدق والبذل وبدء المسير، لا ببلوغ النهايات والنتائج المادية المحضة؛ فالله لا يضيع أجر من أحسن عملاً.
إبطال أوهام الفقر والخوف من الهجرة: يوهم الشيطان الإنسان بأنه إن هاجر أو ترك وظيفته المحرمة أو بلده الفاسد سيضيع ويفتقر، فجاء الوعد القرآني الحاسم بالرغام والسعة؛ وما من عبد ترك شيئاً لله إلا أبدله الله خيراً منه في دينه ودنياه.
البلاغة المعنوية في لفظ {مُرَاغَمًا}: اختيار لفظ المراغمة لبيان الشرف والاستعلاء؛ فالمهاجر في سبيل الله لا يخرج ذليلاً هارباً، بل يخرج مراغماً لقوى الباطل، صانعاً لقوته وعزته في دار الهجرة حتى يرغم أنوف الطغاة الذين اضطهدوه.
تأكيد الثبوت بـ {وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ}: التعبير بالوقوع المستقر لإفادة اللزوم والتحقق التام؛ فكأن الأجر قد استقر في خزانة الفضل الإلهي بمجرد خروج خطوته الأولى من بيته.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المبادرة إلى التغيير الإيجابي وهجر المعاصي والبيئات الفاسدة بيقين تام بوعد الله بالسعة والرزق.
تجريد الإخلاص لله ورسوله في كل حركة وهجرة وعمل دعوي.