سبب النزول وعشق الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم: أخرج الطبراني في المعجم الصغير والأوسط، وابن جرير الطبري (ج ٨، ص ٥٦٥)مصدر غير محدد٨/٥٦٥، وابن أبي حاتم، وأبو نعيم في الحلية، والحاكم وصححه، والواحدي في أسباب النزول عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم (قيل هو ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان شديد الحب له قليل الصبر عنه) فقال: يا رسول الله، والله إنك لأحب إلي من نفسي، وإنك لأحب إلي من أهلي، وأحب إلي من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رُفعت مع النبيين، وإني إذا دخلت الجنة خشيت ألا أراك! فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً حتى نزل جبريل بهذه الآية: {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا}، فدعا به النبي صلى الله عليه وسلم فقرأها عليه واستبشر الصحابة بها فرحاً عظيماً.
أخرج البخاري (رقم ٦١٦٧)مصدر غير محددحديث رقم ٦١٦٧ ومسلم (رقم ٢٦٤٠)مصدر غير محددحديث رقم ٢٦٤٠ عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم متى الساعة؟ قال: «وما أعددت لها؟»، قال: ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صوم ولا صدقة ولكني أحب الله ورسوله، قال: «أنت مع من أحببت». قال أنس: «فما فرحنا بعد الإسلام فرحاً أشد من قول النبي صلى الله عليه وسلم: أنت مع من أحببت، فأنا أحب رسول الله وأبا بكر وعمر وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم وإن لم أعمل بأعمالهم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
مَعَ
تفيد المصاحبة والمعية في المنزلة ورؤية النعيم والتمتع بالصحبة في الجنة وإن تفاوتت الدرجات.
الصِّدِّيقِينَ
جمع صدّيق، وهو الذي كمل صدقه في الإيمان والقول والعمل، فصدق بقلبه ولسانه وجوارحه دون تردد، كأبي بكر الصديق رضي الله عنه.
الشُّهَدَاءِ
القتلى في سبيل الله لإعلاء كلمته، وقيل العدول الشاهدون بالحق على الأمم.
الصَّالِحِينَ
الذين صلحت بواطنهم وظواهرهم وعمروا أوقاتهم بالطاعات.
رَفِيقًا
الرفيق الصاحب والمرافق، ويستوي فيه المفرد والجمع، ونصب هنا على التمييز.
وَمَن يُطِعِ
اسم شرط جازم مبتدأ، يطع فعل الشرط مجزوم بالسكون وحرك بالكسر للساكنين.
فَأُولَٰئِكَ
الفاء رابطة للجواب، أولئك اسم إشارة مبتدأ.
مَعَ
ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر أولئك.
وَحَسُنَ
فعل ماض لإنشاء المدح، و{أُولَٰئِكَ}: فاعله.
رَفِيقًا
تمييز منصوب، ووحد لفظه لأن فعيلاً يأتي للواحد والجمع كالعدل والخصم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الترتيب الرباني الرباعي لمنازل أهل الجنة يفسر الآية الكريمة في سورة الفاتحة: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}؛ فبينت سورة النساء هنا من هم هؤلاء المنعم عليهم بالتفصيل: النبيون، ثم الصديقون، ثم الشهداء، ثم الصالحون؛ ليجتمع شمل المحبين في دار الكرامة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حقيقة المعية في الجنة وتفاضل الدرجات: قد يشكل على العقل كيف يكون المطيع العادي مع النبيين في أعلى عليين مع تباعد الدرجات؟ والجواب الذي بينه المحققون: أن المعية معية التلاقي والتزاور والرؤية والتمتع بصحبتهم في مجالس الأنس برضوان الله، وإن كان لكل صنف درجته الخاصة؛ فالجنة يرفع الله فيها درجات المحبين ليفرحوا بمرافقة أئمتهم ونبيهم صلوات الله وسلامه عليه؛ فالمرء مع من أحب.
الترتيب التنازلي البديع في الفضل: بدأ بأشرف الخلق وهم الأنبياء، ثم ثنى بالصديقين وهم أعلى أتباع الرسل كمالاً، ثم ثلث بالشهداء الذين بذلوا أرواحهم، ثم ختم بالصالحين ليعم كل من استقام على أمر الله؛ ثم تذييل الآية بإنشاء المدح بلفظ {وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا}؛ ليدل على غاية اللذة والبهجة في مجاورة هذه الصفوة الطاهرة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
محبة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام والحرص على التشبه بأخلاقهم ونصرة سنتهم.
الطمع في مرافقة الأنبياء والصالحين في الفردوس الأعلى والعمل الدؤوب لتحقيق هذا الرجاء.