وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
شروط نكاح الإماء: أجمع أئمة التفسير والفقه على أن الآية قيدت زواج الحر من الأمة بشرطين قاطعين: عدم القدرة على طول الحرة (أي عدم القدرة على مهرها ونفقتها)، وخوف العنت (أي الوقوع في الزنا والمشقة الشديدة)؛ فإن عدم الشرطان أو أحدهما لم يجز للحر نكاح الأمة عند جمهور الفقهاء.
القراءات القرآنية المتواترة:
قرأ الكوفيون وابن عامر: {فَإِذَا أُحْصِنَّ} بضم الهمزة وكسر الصاد مبنياً للمجهول، أي أحصنهن أزواجهن بالنكاح أو أسلمن.
وقرأ الحرميان وأبو عمرو: {فَإِذَا أَحْصَنَّ} بفتح الهمزة والصاد مبنياً للفاعل، أي أسلمن أو أحصنّ فروجهن.
عقوبة الأمة إذا زنت: أخرج البخاري (رقم ٦٨٣٨)مصدر غير محددحديث رقم ٦٨٣٨ ومسلم (رقم ١٧٠٥)مصدر غير محددحديث رقم ١٧٠٥ عن أبي هريرة وزيد بن خالد رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها»، والحد هنا نصف ما على الحرة من العذاب، أي خمسون جلدة؛ ولا رجم على الأمة لأن الرجم لا يتنصف.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
طَوْلًا
الطول هو الغنى والفضل والقدرة المالية على مهر الحرة ونفقتها.
فَتَيَاتِكُمُ
الفتيات جمع فتاة، وهو كناية قرآنية كريمة ومهذبة عن الإماء والجواري ترفع من شأنهن الإنساني.
أَخْدَانٍ
جمع خِدن، وهو الصديق والخليل في السر للزنا، والعرب كانت تحرم اتخاذ الأخدان في العلن وتبيحه في السر فقضى القرآن على النوعين.
الْعَنَتَ
المشقة الشديدة وفساد الدين بالوقوع في الفاحشة.
وَمَن
اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ.
طَوْلًا
مفعول به للفعل يستطع، والمصدر المؤول {أَن يَنكِحَ} بدل اشتمال من طولاً أو منصوب بنزع الخافض.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
لما فتح الله باب النكاح للحرائر بمهور مقدرة، راعى واقع الضعفاء والعاجزين مادياً؛ فشرع لهم رخصة نكاح الإماء بضوابط تحمي الأنساب ولا تفتح الباب على مصراعيه لاسترقاق الأولاد، وحث على الصبر وجعله خيراً من هذا النكاح الاستثنائي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تنصيف الحد على الأمة ودلالته التشريعية: نصف الحد هو خمسون جلدة؛ والرجم لا يتجزأ، فدل ذلك على أن المحصنات المراد بهن في قوله {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} هن الأبكار الحرائر اللاتي حدهن مائة جلدة، فتنصف إلى خمسين. وهذا مظهر من مظاهر العدل والرحمة؛ لأن الرق نقص اجتماعي ونقص في الحرية والتربية فخفف الله عنهن العقاب مراعاة لضعف حالهن.
بيان كرامة الإنسان في قوله {بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ}: إلغاء للطبقية والاستعلاء على الإماء؛ فالمؤمنون جميعاً أصلهم واحد ودينهم واحد، والميزان عند الله هو التقوى وصلاح الإيمان.
الرفق في الخطاب والتأديب اللفظي: إطلاق لفظ {فَتَيَاتِكُمُ} بدلاً من "إمائكم"، وقوله {فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} بدلاً من "مواليهن"، فيه ترقية للضمير المسلم نحو معاملة الرقيق بأرقى أساليب المروءة والاحترام.
الترغيب في العفة والصبر: ختم الآية بقوله: {وَأَن تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَّكُمْ}، إشارة إلى أن التعفف والصبر على مشاق العزوبة حتى يفتح الله أبواب الرزق خير من الزواج الذي قد ينجم عنه استرقاق الولد بحكم التبعية للأم في ذلك العصر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
محاربة العلاقات غير الشرعية السرية والعلنية على حد سواء؛ فلا فرق بين الزنا العلني واتخاذ الخلان سراً.
مراعاة مشاعر الضعفاء وأصحاب المهن البسيطة في المجتمع ومعاملتهم بمبدأ الأخوة الإسلامية العامة.