مكر المنافقين في خلواتهم: أخرج الطبري في تفسيره (ج ٨، ص ٦٥٥)مصدر غير محدد٨/٦٥٥ عن ابن عباس وقتادة ومجاهد قالوا: كان المنافقون يدخلون على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيظهرون له الموافقة والانقياد ويقولون: أمرنا طاعة لأمرك، فإذا خرجوا من عنده إلى دورهم خلواتهم بيتوا بالليل خلاف ما أظهروه، وتآمروا على معصيته ومخالفة أوامره؛ فأعلم الله نبيه بسوء صنيعهم وأمره ألا يعبأ بمكرهم وأن يتوكل على ربه الكافي.
القراءات القرآنية المتواترة:
قرأ حمزة وأبو جعفر والكسائي وخلف: {بَيَّتَ طَّائِفَةٌ} بإدغام تاء التأنيث في الطاء للتجانس القريب.
وقرأ الباقون: {بَيَّتَ طَائِفَةٌ} بالإظهار.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بَرَزُوا
البروز الخروج والظهور من المكان المغلق إلى الفضاء المتسع؛ أي خرجوا من مجلس النبي صلى الله عليه وسلم.
بَيَّتَ
التبييت تدبير الأمر سراً وإحكامه بليل في الخفاء، من البَيات وهو الليل؛ أو التبديل والتغيير.
يَكْتُبُ
الكتابة هنا أمر الملائكة الحفظة بإثبات مكرهم في صحائف الأعمال لمحاسبتهم عليه في القيامة وإطلاع نبيه عليه في الدنيا.
وَكِيلًا
الوكيل الحافظ الكفيل الذي يعتمد عليه وتفوض إليه سائر الأمور.
وَيَقُولُونَ
مضارع والواو فاعل.
طَاعَةٌ
خبر لمبتدأ محذوف تقديره "أمرنا طاعة" أو "منا طاعة"، أو مبتدأ وخبره محذوف.
بَرَزُوا
فعل الشرط لإذا، و{بَيَّتَ}: جواب الشرط، و{طَائِفَةٌ}: فاعل.
غَيْرَ
مفعول به لبيت، و{الَّذِي}: مضاف إليه، وجملة {تَقُولُ} صلة الموصول.
فَأَعْرِضْ
الفاء رابطة، أعرض فعل أمر، وتوكل معطوف عليه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
كشف مباشر للنفاق المركب؛ فبعد أن أوجب الله طاعة الرسول، فضح أولئك الذين يقدمون طاعة كاذبة باللسان في العلن، ثم يتآمرون في حلكة الليل على الخيانة؛ محذراً إياهم بأن الله مطلع على خفاياهم وسينتقم منهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
سقوط المؤامرات السرية أمام الرقابة الإلهية: الآية تزرع في قلب المؤمن اليقين بأن مؤامرات الغرف المغلقة والتخطيط السري لأعداء الدين لا قيمة له أمام علم الله المطلق؛ فكل تآمر مكتوب ومحصى وسيبطله الله بالتوكل الصادق عليه؛ فالاعتماد على الله يبطل مكر الليل والنهار.
التعبير بـ {بَيَّتَ} ودلالته النفسية: اختيار لفظ التبييت يصور ظلمة قلوبهم التي لا تحيك المؤامرات إلا في سواد الليل؛ فالخائن جبان يستحيي من الناس ولا يستحيي من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول.
التذييل بـ {وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا}: أعظم جرعة ثقة للمؤمنين؛ فمن كانت وكالته مفوضة إلى الله فلن يضيعه الله أبداً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
مطابقة الظاهر للباطن، وتجنب النفاق الاجتماعي والتملق في المجالس بما يخالف السريرة.
تفويض الأمور إلى الله والتوكل عليه عند مواجهة المؤامرات ومكر المتربصين.