وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
بكاء النبي صلى الله عليه وسلم عند سماع الآية: أخرج البخاري في صحيحه (كتاب فضائل القرآن، باب القراءة عن ظهر قلب، رقم ٥٠٥٠)مصدر غير محددحديث رقم ٥٠٥٠ ومسلم في صحيحه (كتاب صلاة المسافرين، رقم ٨٠٠)مصدر غير محددحديث رقم ٨٠٠ عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «اقرأ علي»، قلت: يا رسول الله، أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: «نعم، إني أحب أن أسمعه من غيري»، فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا}، قال: «حسبك الآن»، فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان دموعاً (صلوات ربي وسلامه عليه).
المراد بالشهيد والشهادة: الشهيد من كل أمة هو نبيها ورسولها الذي أرسل إليها يشهد على تبليغه وعلى أعمال قومه، وخاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم يشهد على أمته وعلى سائر الأمم بتبليغ رسلهم وتصديقهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
فَكَيْفَ
اسم استفهام للتهويل والتعجيب من هول ذلك المشهد العظيم، أي كيف يكون حالهم وشدة كربهم وخزيهم حينئذ؟
بِشَهِيدٍ
الشهيد هو الشاهد الحاضر المؤدي للشهادة بالحق والعدل.
هَٰؤُلَاءِ
الإشارة لأمته صلى الله عليه وسلم الحاضرين ومن بعدهم إلى يوم القيامة، وقيل للمكذبين المعاصرين له من كفار ومنافقين، والأول أعم وأشمل.
فَكَيْفَ
الفاء فصيحة، كيف اسم استفهام في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف تقديره "فكيف حالهم؟" أو في محل نصب حال لفعل محذوف تقديره "فكيف يصنعون؟".
إِذَا
ظرف زمان خافض لشرطه منصوب بجوابه المحذوف.
شَهِيدًا
حال منصوبة من الكاف في "بك".
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
مشهد أخروي مهيب يخلع القلوب؛ فبعد أن قرر سبحانه إحصاء الأعمال بدقة مثقال الذرة، صور المحكمة الإلهية الكبرى التي تقام يوم القيامة بالشهود العدول من الأنبياء والمرسلين، وتقديم سيد الرسل شاهداً أعظم؛ ليعلم المكذبون أنه لا مهرب من الحساب ولا مجال لجحود الأعمال.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
عدالة المحاكمة الإلهية المطلقة: الله سبحانه عليم بذات الصدور وغني عن الشهود، ولكنه سبحانه يقيم الحجة القاطعة بالشهود من جنس البشر (الرسل والأنبياء والجوارح) قطعاً لكل معذرة زائفة وإظهاراً لكمال عدله بين الخلائق، فلا يبقى لمنكر حيلة ولا لمكذب عذر.
سر بكاء النبي صلى الله عليه وسلم: بكى صلوات الله وسلامه عليه إشفاقاً على أمته من هول ذلك الموقف، وشعوراً بعظم أمانة الشهادة على الخلائق؛ واستحضاراً لرحمته البالغة بأمته أن يراهم في موقف الحساب والمساءلة.
الالتفات إلى الخطاب المباشر {وَجِئْنَا بِكَ}: إبراز لمقام النبي صلى الله عليه وسلم الرفيع وتقديمه على سائر الأنبياء تكريماً وتشريفاً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
كثرة الصلاة والسلام على الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، واستحضار شفقته البالغة ورحمته بأمته.
محاسبة النفس يومياً قبل القدوم على ذلك اليوم الذي تشهد فيه الرسل على أعمال الخلائق.