سبب النزول واستغاثة مستضعفي مكة: أخرج البخاري في صحيحه (كتاب التفسير، تفسير سورة النساء، رقم ٤٥٨٧)مصدر غير محددحديث رقم ٤٥٨٧ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كنت أنا وأمي من المستضعفين؛ أنا من الولدان، وأمي من النساء». ونزلت الآية في مسلمي مكة الذين حبسهم المشركون وعذبوهم ومنعوهم من الهجرة بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، فكانوا يدعون الله في صلواتهم أن ينقذهم من قهر قريش وظلمها.
أخرج الطبري (ج ٨، ص ٦٠٠)مصدر غير محدد٨/٦٠٠ عن عكرمة ومجاهد أن المستضعفين كانوا يعذبون في رمضاء مكة لقيامهم بالتوحيد؛ فحض الله المؤمنين في المدينة على استنقاذهم بالسيف والجهاد.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
وَالْمُسْتَضْعَفِينَ
العاجزون عن دفع الظلم عن أنفسهم والهجرة لضعف أبدانهم أو قلة حيلتهم وفقرهم.
الْوِلْدَانِ
جمع ولد، وهم الصغار غير البالغين.
الْقَرْيَةِ
مكة المكرمة في ذلك الوقت قبل الفتح حين كانت دار كفر وظلم يسام فيها المسلمون سوء العذاب.
الظَّالِمِ أَهْلُهَا
الظالم نعت للقرية جرى على غير من هو له، ولذلك طابق متبوعه في الإعراب والتعريف وروعي فيه فاعله (أهلها).
وَمَا لَكُمْ
الواو استئنافية، ما اسم استفهام في محل رفع مبتدأ، ولكم جار ومجرور خبر.
لَا تُقَاتِلُونَ
لا نافية، تقاتلون مضارع والواو فاعل، والجملة في محل نصب حال من الضمير في لكم (أي مالكم غير مقاتلين؟).
وَالْمُسْتَضْعَفِينَ
معطوف على اسم الجلالة في محل جر بحذف مضاف تقديره "وفي سبيل خلاص المستضعفين"، أو معطوف على محل الجار والمجرور في محل نصب مفعول به لتقاتلون (أي وتقاتلون لتخليص المستضعفين).
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص القرآني هو أعظم ميثاق إنساني شرعي لتحرير المستضعفين وحقوق الإنسان في التاريخ؛ حيث يستنهض النخوة الإيمانية والمروءة الإنسانية بالاستفهام التوبيخي الشديد: كيف تقعدون عن القتال وإخوانكم وأخواتكم وأطفالكم يئنون تحت وطأة التعذيب ويستغيثون بكم وبربهم لإنقاذهم؟!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
أخلاقية الحرب وفلسفة القتال في الإسلام: تدحض الآية الفرية الكاذبة التي تزعم أن الجهاد الإسلامي كان للعدوان وسفك الدماء ونهب الثروات؛ فالآية تصرح بأن القتال شرع لغايتين ساميتين:
١. {فِي سَبِيلِ اللَّهِ}: لحماية حرية العقيدة ومنع الفتنة وإعلاء كلمة التوحيد.
٢. {وَالْمُسْتَضْعَفِينَ}: لإنقاذ المظلومين والضعفاء والنساء والأطفال من قهر الطغاة واستبدادهم. فالحرب في الإسلام حرب تحرير وحماية للإنسانية من الظلم والاستعباد.
النعت السببي {الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا}: إشارة بلاغية بارعة إلى تنزيه البقعة الشريفة (مكة) وحرمتها الذاتية، وإسناد الظلم إلى أهلها المشركين الذين دنسوها بالشرك وظلم العباد.
تكرار الدعاء {مِن لَّدُنكَ}: {وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا}؛ تكرار يفيد كمال التجائهم إلى الله وانقطاع حيلتهم في الخلق، فاستجاب الله دعاءهم وقيض لهم محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه ففتحوا مكة وطهروها من الطغيان.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
نصرة المظلومين والمستضعفين في كل مكان بالمال والدعاء والإعلام والقوة بحسب الوسع والقدرة.
استشعار واجب الجسد الواحد في الأمة الإسلامية؛ فإذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.