العدل القلبي والعدل الظاهري: أخرج أبو داود في سننه (كتاب النكاح، باب في القسم بين النساء، رقم ٢١٣٤)مصدر غير محددحديث رقم ٢١٣٤، والترمذي (رقم ١١٤٠)مصدر غير محددحديث رقم ١١٤٠، والنسائي، وابن ماجه (رقم ١٩٧١)مصدر غير محددحديث رقم ١٩٧١، وأحمد في مسنده، وصححه ابن حبان والحاكم عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم فيعدل، ويقول: «اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك»، يعني القلب وميل العاطفة والمحبة.
أخرج ابن جرير الطبري (ج ٩، ص ٣٩٠-٤٠٥)مصدر غير محدد٩/٣٩٠ وابن أبي حاتم عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة قالوا في قوله: {وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ}: يعني في الحب والجماع والشهوة؛ لأن ميل القلوب اضطراري لا يملكه الإنسان؛ ثم قال: {فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ}: أي في القسم في المبيت، والنفقة، وطلاقة الوجه، وحسن المعاشرة الظاهرة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
وَلَن تَسْتَطِيعُوا
لن للتأبيد ونفي الاستطاعة لنفي القدرة البشرية على التسوية التامة في مشاعر القلوب.
كُلَّ الْمَيْلِ
الميل التام بالجور الظلم في القسم والنفقة وهجران إحداهن بالكلية.
كَالْمُعَلَّقَةِ
التي ليست بزوجة ذات زوج ينفق عليها ويؤنسها، وليست بمطلقة فتتزوج غيره؛ فهي معلقة بين السماء والأرض لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.
وَلَن تَسْتَطِيعُوا
لن نافية ناصبة، تستطيعوا مضارع منصوب بحذف النون، والمصدر المؤول {أَن تَعْدِلُوا} مفعول به.
وَلَوْ حَرَصْتُمْ
الواو حالية، لو شرطية وصلية تفيد المبالغة.
فَلَا تَمِيلُوا
لا ناهية جازمة، تميلوا مضارع مجزوم بحذف النون.
كُلَّ الْمَيْلِ
كل نائب عن المفعول المطلق منصوب وهو مضاف إلى الميل.
فَتَذَرُوهَا
الفاء سببية، تذروها مضارع منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية في جواب النهي، والهاء مفعول به.
كَالْمُعَلَّقَةِ
جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الهاء (أي فتذروها مشبهة بالمعلقة).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص القرآني هو ميزان العدالة في التعدد؛ فبعد أن أباح التعدد في أول السورة واشترط العدل ({فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً})، جاءت هذه الآية لترفع الحرج عن النفس في الميل القلبي القهري، وتضبط العدل العملي الظاهري الصارم في المبيت والنفقة والمعاشرة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة التناقض بين إباحة التعدد ونفي استطاعة العدل: زعم بعض المنحرفين والمستشرقين أن القرآن يحرم التعدد ضمناً؛ لأن الآية نصت على نفي الاستطاعة ({وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا})، وأول السورة اشترط العدل؛ والجواب الفقهي والعقلي الحاسم:
١. العدل المشترط في أول السورة ({فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا}) هو "العدل المقدور عليه في الظاهر" من المبيت، والكسوة، والنفقة، والإيواء، وحسن المعاملة؛ وهو فرض لازم على المعدد.
٢. أما العدل المنفي استطاعته في هذه الآية فهو "العدل في المحبة القلبية وميل الفؤاد والمشاعر الباطنة"؛ وهذا خارج عن قدرة البشر، والله لا يكلف نفساً إلا وسعها.
٣. الدليل القاطع على هذا الجمع هو قوله تعالى بعده مباشرة: {فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ}؛ فلو كان التعدد ممنوعاً لم يقل "فلا تميلوا كل الميل"، بل لقال "فلا تجمعوا"، فلما نهاهم عن الميل التام وأمر بالاستطاعة والتقوى، دل على إباحة التعدد مع وجوب العدل الظاهري والتجاوز عن ميل القلوب العفوي.
التشبيه التمثيلي الرائع في {فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ}: تشبيه حسي يجسد ألم المرأة المهجورة ظلماً؛ فهي في حبال الزوجية كالمعلقة برباط لا هي مستقرة على الأرض بنكاح تام، ولا هي حرة بمفارقة تتيح لها الزواج؛ وهو تصوير بليغ يثير الشفقة والرهبة في قلب كل زوج يخاف الله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحري العدل التام في القسم بين الزوجات في المبيت والنفقة والمعاملة الظاهرة.
التورع عن ظلم الزوجات أو تركهن معلقات إضراراً بهن وانتقاماً من عواطفهن.