الإحالة على آية سورة الأنعام وحكم مجالس الاستهزاء: أخرج الطبري في تفسيره (ج ٩، ص ٤٩٠-٥٠٥)مصدر غير محدد٩/٤٩٠ وابن أبي حاتم عن ابن عباس ومجاهد وقتادة قالوا: أشار الله تعالى بقوله: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ} إلى آية سورة الأنعام المكية (الآية ٦٨): {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ}؛ وكان المنافقون في المدينة يحضرون مجالس اليهود والمشركين وهم يطعنون في القرآن ويستهزئون بالنبي صلى الله عليه وسلم، فيجلسون معهم ويستمعون ويضحكون ولا ينكرون؛ فحكم الله عليهم بأنهم مثلهم في الإثم والكفر إن رضوا بمجالستهم دون إنكار.
القراءات القرآنية المتواترة:
قرأ عاصم في رواية حفص: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ} بفتح النون والزاي مبنياً للفاعل (أي الله).
الخوض الدخول في الحديث والموضوع، وأصله النزول في الماء؛ واستعمل في الاندفاع في الباطل.
إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ
المماثلة هنا في الرضا والسكوت والشراكة في الإثم.
وَقَدْ نَزَّلَ
الواو استئنافية، قد حرف تحقيق، نزل فعل ماض، وفاعله مستتر (الله).
أَنْ إِذَا
أن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن محذوف، والمصدر المؤول نائب فاعل لنُزل أو مفعول به لنَزل.
فَلَا تَقْعُدُوا
لا ناهية جازمة، تقعدوا مضارع مجزوم بحذف النون، والواو فاعل.
إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ
إن واسمها، إذاً حرف جواب وجزاء لا عمل له، و{مِّثْلُهُمْ}: خبر إن مرفوع.
جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ
جامع اسم فاعل خبر إن مضاف، والمنافقين مضاف إليه.
جَمِيعًا
حال منصوبة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تشريع حاسم لمقاطعة مجالس الباطل وحماية الحصانة العقدية للمجتمع؛ فبعد أن كشف موالاتهم للكفار، وضع هذا المعيار العملي الصارم: تحريم الجلوس في المجالس والمنصات التي تسخر من الدين ومقدساته، وتجريم الساكت الراضي وجعله شريكاً للكافر في الجرم والمصير.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
قاعدة "الرضا بالمعصية معصية والشريك في الاستماع شريك في الإثم": الآية تؤصل أصلاً فقهياً وقضائياً حاسماً: من حضر مجلساً يعصى الله فيه ويستهزأ فيه بالدين فالواجب عليه شرعاً:
١. إنكار المنكر بلسانه والدفاع عن مقدسات الشريعة.
٢. فإن عجز عن الإنكار وجب عليه مفارقة المجلس فوراً والقيام عنه.
٣. فإن قعد واستمع وهو قادر على المفارقة رضاءً بالباطل أو مجاملة للمستهزئين فهو مثلهم في الإثم والكفر بنص القرآن الصريح: {إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ}؛ فالسكوت تواطؤ وموافقة ضمنية تسقط حرمة الإيمان.
المعادلة الجزائية الرهيبة في {إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ}: جملة قاطعة كالشهاب لا تدع مجالاً للمداهنة أو التبرير بالدبلوماسية والمجاملة؛ فمن رضي بالقعود مع الطاعنين سوّاه الله بهم في ميزان الجزاء.
الجمع المكاني في جهنم كما اجتمعوا في المجالس: {إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا}؛ جزاء وفاق؛ فكما اجتمعوا في مجالس الدنيا على السخرية بالدين، جمعهم الله في قعر جهنم في العذاب المهين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الغيرة على دين الله ومقدساته وحرماته، ومقاطعة المنصات والمجالس والبرامج التي تستهزئ بالإسلام وسنة نبيه.
الصدع بالحق والإنكار على المبطلين أو اعتزال مجالسهم فوراً صيانة للإيمان من التلوث.